
كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
تتداول وسائل الإعلام ما قيل إنها “الصيغة النهائية” لاتفاق مرتقب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يتضمّن وقفًا لإطلاق النار وتهدئةً واسعة على مختلف المستويات. لكن خلف اللغة الدبلوماسية الهادئة، تبرز أسئلة كبيرة تتعلّق بما كُتب، والأهم بما لم يُكتب، خصوصًا أن البنود المطروحة تحمل الكثير من العموميات التي تفتح باب التأويل السياسي والاستراتيجي على مصراعيه.
وبحسب الصيغة المتداولة، فإن الاتفاق يتضمّن:
١) وقفًا شاملًا وفوريًا وغير مشروط لإطلاق النار على جميع الجبهات من البر والبحر والجو.
٢) التزام الطرفين بعدم استهداف أي منشآت عسكرية أو مدنية أو اقتصادية للطرف الآخر.
٣) وقف جميع العمليات العسكرية والهجمات السيبرانية والحرب الإعلامية التحريضية.
٤) احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
٥) ضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان.
٦) تشكيل لجنة مشتركة لمراقبة تنفيذ الاتفاق وفضّ النزاعات.
٧) بدء مفاوضات خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام حول الملفات العالقة.
٨) رفع تدريجي للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران مقابل التزام إيران ببنود الاتفاق.
٩) التأكيد أن الاتفاق يأتي ضمن إطار احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
في الشكل، تبدو البنود شاملة وكأن المنطقة تتجه إلى تسوية واسعة. لكن عند التمعّن في التفاصيل، يظهر أن معظم البنود صيغت بطريقة فضفاضة وغير محددة، ما يسمح لكل طرف بقراءتها وفق مصالحه السياسية.
فالبند الأول مثلًا يتحدث عن “جميع الجبهات” من دون أن يسمّي أي جبهة بالاسم. لا ذكر للبنان، ولا لغزة، ولا للعراق أو اليمن. وهذا الغموض ليس تفصيلًا بسيطًا، لأن عبارة “جميع الجبهات” قد تُفسَّر بطريقتين مختلفتين تمامًا.
هناك من سيعتبر أن المقصود هو كل الساحات المرتبطة بالمواجهة الأميركية / الإيرانية، وبالتالي فإن لبنان مشمول ضمنًا باعتباره جزءًا من محور النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن في المقابل، يستطيع آخرون القول إن الحديث يقتصر على الجبهات المباشرة بين واشنطن وطهران، برًا وبحرًا وجوًا، أي ضمن الإطار العسكري المرتبط بإيران نفسها، وليس بالساحات الإقليمية المتشابكة معها.
الأمر نفسه ينسحب على البند الثاني، الذي ينص على “التزام الطرفين بعدم استهداف أي منشآت عسكرية أو مدنية أو اقتصادية للطرف الآخر”.
هنا أيضًا، الكلام واضح ظاهريًا لكنه قابل للتأويل عمليًا.
فالنص يتحدث عن “الطرفين” فقط، أي الولايات المتحدة وإيران، من دون أي إشارة إلى الحلفاء أو القوى المرتبطة بهما في المنطقة. وبالتالي، قد يعني ذلك أن الاتفاق يحمي المنشآت الأميركية والإيرانية المباشرة فقط، فيما تبقى الساحات الأخرى خارج الضمانات الفعلية.
وهذا يطرح سؤالًا بالغ الحساسية:
إذا تعرّضت ساحة مثل لبنان أو أي طرف مرتبط بإيران لضربات أو تصعيد، فهل يُعتبر ذلك خرقًا للاتفاق أم لا؟
الصياغة الحالية لا تعطي جوابًا حاسمًا، وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللغة الدبلوماسية حين تُستخدم بطريقة مرنة تسمح بالهروب من الالتزامات الواضحة.
حتى البند الثالث، المتعلق بوقف العمليات العسكرية والهجمات السيبرانية والحرب الإعلامية، لا يحدد إن كان يشمل القوى الحليفة أو التنظيمات غير الرسمية أو فقط المؤسسات الرسمية التابعة للدولتين.
أما البند الرابع، الذي يتحدث عن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فهو من أكثر البنود إثارة للتساؤلات، لأن تطبيقه الحقيقي يعني نظريًا إعادة النظر بكل أشكال النفوذ الإقليمي غير المباشر، سواء السياسي أو العسكري أو الأمني، في أكثر من دولة عربية.
ومن هنا، فإن غياب أي ذكر مباشر للبنان ليس تفصيلًا عابرًا. بل قد يكون مؤشرًا على أحد احتمالين:
إما أن لبنان مشمول ضمنًا في تهدئة إقليمية واسعة من دون الحاجة إلى تسميته،
وإما أن لبنان غير معني مباشرة بالاتفاق، وأن الحديث عن “كافة الجبهات” ليس سوى تعبير سياسي عام يحمل أكثر مما يوضّح.
وإذا صحّ الاحتمال الثاني، فهذا يعني أننا أمام لعب دقيق بالكلمات، حيث يبدو الاتفاق شاملًا في الإعلام، لكنه عمليًا محصور بحماية المصالح المباشرة للطرفين فقط.
أما الأخطر، فهو احتمال أن تكون إيران قد بدأت فعليًا بفصل أمنها القومي المباشر عن ملفات بعض أذرعها الإقليمية، ضمن مقاربة جديدة تقوم على حماية الداخل الإيراني أولًا، ولو على حساب تخفيف الالتزامات تجاه بعض الساحات المرتبطة بها.
وإن صحّ ذلك، فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة مختلفة تمامًا، تُعاد فيها صياغة التحالفات وحدود النفوذ، بينما تبقى دول كساحة لبنان معلّقة بين النصوص الغامضة والتأويلات السياسية والانتظار المفتوح على كل الاحتمالات


