سلايداتمقالات

“عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ”… الدولة وحدها مظلة التحرير والسيادة

كتب سعد شعنين:
“عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ”
بهذه العبارة الخالدة لـ أبو الطيب المتنبي، يمكن اختصار المشهد اللبناني في ذكرى الخامس والعشرين من أيار؛ يوم تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، ذلك الحدث الذي دخل وجدان اللبنانيين بوصفه لحظة وطنية مفصلية، امتزجت فيها التضحيات بالصمود، وسقطت فيها سنوات طويلة من الاحتلال والقهر والاعتداءات.

في ذلك اليوم، لم يشعر أبناء الجنوب وحدهم بالانتصار، بل شعر اللبنانيون جميعاً بأن صفحة جديدة يمكن أن تبدأ، وأن الدولة التي عانت الحرب والوصاية والانقسامات باتت أمام فرصة تاريخية لاستعادة سيادتها الكاملة وبناء مؤسسات قوية تحمي الوطن وتحتضن الجميع تحت راية واحدة.
كان الأمل كبيراً بأن يتحول التحرير إلى مدخل لبناء دولة فعلية، لا دويلات، ودستور فعلي لا أعراف مفروضة بالقوة، وجيش واحد يحتكر السلاح ويحمي الحدود والقرار الوطني. لكن السنوات التي تلت التحرير أخذت لبنان في اتجاه مختلف، حيث بقي السلاح خارج إطار الدولة، وتحوّل تدريجياً من عنصر مرتبط بمواجهة الاحتلال إلى جزء من معادلات داخلية وإقليمية تتجاوز حدود لبنان ومصالح اللبنانيين.
ومع مرور الوقت، دخل لبنان أكثر فأكثر في قلب صراعات المنطقة، من سوريا إلى المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة، وصولاً إلى الاشتباك المستمر مع إسرائيل. وأصبح اللبناني يشعر أن بلده لم يعد يملك قراره كاملاً، وأن الدولة التي كان يفترض أن تقوى بعد التحرير، ازدادت ضعفاً وعجزاً أمام تعدد مراكز القرار.
فالسيادة لا تُقاس فقط بخروج جيش احتلال من أرضٍ معينة، بل بقدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية، واحتكار قرار الحرب والسلم، وإدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة الوطنية وحدها. وعندما تصبح هناك قوة تمتلك قراراً عسكرياً وأمنياً خارج المؤسسات الشرعية، فإن مفهوم الدولة نفسه يصبح هشّاً، مهما كانت النوايا أو الشعارات.
لقد أثبتت التجارب في لبنان والمنطقة أن أي سلاح خارج الدولة يتحول مع الوقت إلى مصدر انقسام داخلي، حتى لو وُلد في ظروف استثنائية أو حمل عنوان المقاومة. لأن الدولة وحدها، بمؤسساتها الشرعية ودستورها وجيشها، هي المظلة القادرة على حماية جميع اللبنانيين بالتساوي، بعيداً عن الاصطفافات والمحاور والحسابات الفئوية.
فالجيش اللبناني، رغم كل الصعوبات والإمكانات المحدودة، بقي المؤسسة الوطنية الجامعة التي يلتف حولها اللبنانيون. والدولة، مهما ضعفت، تبقى الإطار الوحيد القادر على إنتاج استقرار دائم وعلاقات متوازنة مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وتأمين حماية سياسية واقتصادية للبنان لا تستطيع أي جهة منفردة توفيرها.
أما استمرار واقع السلاح الخارج عن الدولة، فقد جعل لبنان عرضة دائمة للحروب والضغوط والعقوبات والعزلة، وربط مصير اللبنانيين بصراعات إقليمية لا قدرة لهم على تحمل نتائجها. وفي كل مرة يتصاعد فيها التوتر في المنطقة، يجد اللبناني نفسه أمام خطر الانفجار، فيما اقتصاده ينهار وشبابه يهاجر ودولته تتراجع.
والمفارقة المؤلمة أن عيد التحرير، الذي كان يفترض أن يكون عيد اكتمال السيادة، أصبح مناسبة يطرح فيها اللبنانيون سؤال الدولة المفقودة. فلبنان الذي تحرر من الاحتلال الإسرائيلي، لم يتحرر بعد من الانقسامات الداخلية ومن منطق المحاور ومن ازدواجية السلطة والسلاح.
ولا يمكن لأي مشروع إنقاذي حقيقي أن ينجح من دون العودة إلى منطق الدولة الواحدة. دولة تمتلك وحدها حق الدفاع عن الوطن، وتقرر وحدها متى تُفتح الجبهات ومتى تُعقد التسويات، وتحمي مواطنيها بالقانون لا بموازين القوى. لأن الأوطان لا تُبنى على تعدد المرجعيات الأمنية والعسكرية، بل على عقد وطني جامع يشعر فيه كل مواطن أن الدولة هي حاميته الأولى والأخيرة.
إن حماية لبنان لا تكون بإضعاف الدولة بل بتقويتها، ولا بتجاوز المؤسسات بل بدعمها، ولا بوضع القرار الوطني في قلب صراعات الخارج بل بتحصينه بالمصلحة اللبنانية أولاً. فالدولة ليست خصماً لأحد، بل هي الضمانة الوحيدة للجميع، وهي المظلة التي تمنع انهيار الوطن وتحفظ حقوق مكوّناته كافة.

في عيد التحرير، يستحق اللبنانيون أن يحلموا بتحريرٍ جديد: تحرير الدولة من العجز، والقرار الوطني من الارتهان، والمؤسسات من الشلل، والبلاد من منطق الساحات المفتوحة. لأن التحرير الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يصبح لبنان وطناً سيداً حراً مستقلاً، بجيش واحد، ودستور واحد، وقرار واحد.
وعندها فقط، قد يعود العيد على اللبنانيين بحالٍ أفضل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى