
كتب د. وسام صافي في الانباء:
على امتداد قرون، شكّل الدروز حالة اجتماعية وفكرية استثنائية في المشرق. وقد استوقفت هذه الطائفة العديد من الرحالة والمستشرقين والباحثين الذين كتبوا عنها بإعجاب لافت، ليس فقط بسبب خصوصيتها العقائدية، بل أيضاً بسبب منظومة القيم التي تميز مجتمعها. فقد تناول عدد من المستشرقين والرحالة الغربيين المجتمع الدرزي باهتمام خاص، ومن بينهم المؤرخ والرحالة الفرنسي ألفونس دو لامارتين الذي أبدى إعجاباً بطباع أهل الجبل وشجاعتهم، والرحالة البريطاني ريتشارد فرانسيس برتون الذي لفت إلى استقلالية الشخصية الدرزية وصلابة بنيتها الاجتماعية، كما قدّم المستشرق الفرنسي سلفستر دو ساسي إحدى الدراسات المبكرة حول عقائد الدروز، بينما كرّس الباحث والمؤرخ اللبناني كمال الصليبي جانباً من أعماله لفهم تاريخ جبل لبنان وتركيبته الاجتماعية والسياسية، بما فيها الدور التاريخي للدروز.
وغالبية ما كُتب عن الدروز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ركّز على صفات مثل تعظيم العقل، والتمسك بالصدق، وحفظ الإخوان، والوفاء، والشجاعة، وإكرام الضيف، والتمتع بأخلاق صارمة تقوم على الكرامة والرجولة واحترام الكلمة المعطاة.
ولعل ما ميّز المجتمع الدرزي تاريخياً أن الانتماء إليه لم يُختزل في البعد الديني فحسب، بل تجسّد في منظومة أخلاقية واجتماعية متكاملة جعلت من العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية المتبادلة. ولذلك نجد أن كثيراً من المؤرخين والرحالة تحدثوا عن قرى جبل العرب وجبل لبنان بوصفها نماذج لمجتمعات متماسكة تتمتع بروابط اجتماعية قوية وقدرة على تنظيم شؤونها الداخلية.
كما ارتبطت صورة الدروز في الذاكرة التاريخية بقبولهم سيف الإسلام وانتمائهم الحضاري إلى العالم الإسلامي مع احتفاظهم بخصوصيتهم الفكرية والروحية، ما أوجد حالة من التوازن بين الهوية الخاصة والانتماء الأوسع.
لكن الانتقال إلى الحاضر يكشف مشهداً مختلفاً وأكثر تعقيداً. ففي خضم الانهيار السوري والحرب الطويلة وتفكك مؤسسات الدولة وظهور سلطات الأمر الواقع، بدأت تصدر مقالات وتقارير غربية تتناول محافظة السويداء بلغة مختلفة تماماً. وفي هذا السياق، نشر الباحث والصحفي تشارلز ليستر مقالاً بعنوان How Israel-Backed Sweida Became Syria’s Narcotics Capital قدّم فيه صورة شديدة القتامة عن واقع السويداء، رابطاً المحافظة بشبكات المخدرات والجريمة المنظمة والفوضى الأمنية والتدخلات الإقليمية، وواصفاً المحافظة بأنها تحولت إلى مركز رئيسي للكبتاغون خارج سيطرة دمشق، مع ربط ذلك ببنية عسكرية وأمنية محلية وإقليمية معقدة.
غير أنّ المشكلة لا تكمن فقط في مضمون هذه التقارير، بل في الخلط بين أزمة سياسية وأمنية طارئة وبين هوية مجتمع بكامله. فقراءة مثل هذه المقالات تستوجب قدراً من الحذر المنهجي؛ إذ إن التوصيفات السياسية والأمنية، مهما استندت إلى مصادر ومعطيات، تبقى مرتبطة بسياق الحرب السورية وتشابكاتها الإقليمية. كما أن تحميل مجتمع بأكمله مسؤولية ظواهر نشأت في ظل انهيار الدولة والحرب والاقتصاد غير الشرعي قد يؤدي إلى تعميمات تتجاوز الوقائع نحو إنتاج صورة نمطية جديدة.
فالسويداء لم تنشأ في فراغ، بل عاشت مثل سائر المناطق السورية تحت نظام حوّل الاقتصاد غير الشرعي والتهريب إلى أدوات سلطة، وكانت تجارة الكبتاغون جزءاً من بنية أمنية أوسع ارتبطت بالنظام السابق وشبكاته الإقليمية. ومع انهيار السلطة المركزية وظهور فراغ أمني، دخلت قوى متعددة على الخط، بعضها محلي وبعضها إقليمي ودولي، فاختلطت الحسابات السياسية بالمصالح الاقتصادية وبالصراعات المسلحة.
ومن الخطأ المنهجي تحويل ظواهر نشأت في ظروف حرب وانهيار دولة إلى خصائص ملازمة لطائفة أو مجتمع. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تُقاس في لحظات الفوضى، بل في القيم التي بنتها عبر الزمن وفي قدرتها على تجاوز الأزمات. كما أن السويداء نفسها تضم شخصيات دينية ومدنية واجتماعية وسياسية متعددة الاتجاهات، وفيها من يرفض العنف والانغلاق والارتهان الخارجي كما فيها من انخرط في حسابات القوة والنفوذ.
لقد كتب المستشرقون قديماً عن الدروز وهم يشاهدون مجتمعاً مستقراً نسبياً تحكمه الأعراف والقيم التقليدية، بينما يكتب بعض صحفيي اليوم عن مجتمع يعيش وسط حرب مدمرة وتدخلات خارجية وصراع مشاريع إقليمية. وبين الصورتين مسافة كبيرة لا يمكن اختزالها بتعميمات سريعة.
الدروز اليوم ليسوا مجتمعاً مختلفاً عن الأمس في جوهر قيمهم، لكنهم مثل غيرهم من شعوب المنطقة وجدوا أنفسهم داخل عاصفة تاريخية كبرى هزّت البنى الاجتماعية والسياسية والأمنية. وما يُكتب عن السويداء اليوم ينبغي أن يُقرأ بوعي نقدي، لأن تشخيص الأزمات شيء، وتحويلها إلى أحكام نهائية على شعب أو طائفة شيء آخر تماماً.
فالأمم والطوائف لا تُختصر بأخطائها في زمن الانهيار، بل بما تحمله من إرث وقدرة على النهوض من جديد.
https://anbaaonline.com/news/328741




