
كتب طوني عيسى في هنا لبنان:
تتمحور استراتيجية واشنطن الحالية على إخضاع إيران، وإنهاء نفوذ أذرعها الإقليمية، وتفكيك قدرتها على تعطيل الممرّات الدولية الممتدّة من باب المندب وصولًا إلى شواطئ لبنان. ومن هنا أيضًا، يمكن فهم الأهداف العميقة لتوسّع السيطرة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. فالعملية في جوهرها تتمثّل بالبتر الكامل لـ”خط الإمداد والتمدّد” الإيراني على حافّة المتوسط. ويتكامل هذا الهدف مع الاندفاعة البرّية الحالية للسيطرة على مصبّ الزهراني الحيويّة.
كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:
يصعب اعتبار الحرب الدائرة اليوم في الجنوب، وعبور القوات الإسرائيلية نهر الليطاني مجرّد مواجهة عسكرية لرسم خطوط جديدة للهدنة أو لتطبيق قرار وقف النّار. فالوقائع الميدانيّة الملتهبة تصب مباشرةً في سياقٍ أوسع وأعمق بكثير. إنّها ترسم مسارات السلام والاقتصاد في “الشرق الأوسط الجديد” الذي تريد واشنطن تثبيت ركائزه كليًّا داخل فلكها. فلبنان، وسوريا أيضًا، يتموْضعان في قلب الصراع الجيوسياسي الدولي، على الممرّات الاقتصادية الاستراتيجية وطرق الطّاقة التي تربط آسيا بالبحر الأبيض المتوسط. ويُمثل البلدان عقدة الربط والعبور الإلزامية في مشاريع الطرق الدولية البديلة التي ستحدّد هوية النظام الإقليمي لعقود مقبلة. ولذلك، سيشهدان تحوّلاتٍ حتميةً في المرحلة المقبلة.
تتحرّك واشنطن لرسم خريطة الممرّات الشرق أوسطية نحو أسواق أوروبا الغربيّة، من خلال مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالخليج العربي وصولًا إلى المتوسط. ويسعى الأميركيون إلى تأمين هذا الخط، من خلال ربط لبنان به، وهو ما يستدعي حتمًا تفكيك حالة “حزب الله” العسكرية والأمنية، ورفع نفوذه عن مؤسّسات الدولة. وتحظى الرؤية الأميركية لخطوط الطاقة بدعم فرنسا التي تعمل لدمج لبنان في المنظومة الخليجية – المتوسّطية التي تشارك فيها إسرائيل. ويُراد جعل الموانئ اللبنانية شريانًا حيويًّا لإمرار أنابيب الغاز وسكك الحديد الدولية. والطرف الذي يسيطر على الأمن السياسي والعسكري لهذه الشواطئ هو مَن سيتحكّم بمفاتيح تدفق الطّاقة نحو الغرب.
هذه الرؤية تفسّر جزءًا أساسيًّا من خلفيّات الحرب على إيران وإقفال مضيق هرمز. فالمتضرّر الحقيقي من إقفال هذا المضيق هو إيران وحلفاؤها، لا الأميركيّون القادرون على تأسيس ممرّات بديلة توفر لهم أمن الطاقة بشكل مضمون. وفي المشهد الشرق أوسطي الواسع، لم يبقَ سوى إيران خارج الفلك الأميركي. ولذلك، تتمحور استراتيجية واشنطن الحالية على إخضاعها، وإنهاء نفوذ أذرعها الإقليمية، وتفكيك قدرتها على تعطيل الممرّات الدولية الممتدّة من باب المندب وصولًا إلى شواطئ لبنان. ومن هنا أيضًا، يمكن فهم الأهداف العميقة لتوسّع السيطرة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. فالعملية في جوهرها تتمثل بالبتر الكامل لـ”خط الإمداد والتمدّد” الإيراني على حافّة المتوسط. ويتكامل هذا الهدف مع الاندفاعة البرّية الحالية للسيطرة على مصبّ الزهراني الحيويّة. فوصول إسرائيل إلى هذه النقطة يعني وضع خط النّفط التاريخي الذي يربط الداخل العربي بالبحر المتوسط قيد المقايضات والترتيبات الجيوسياسية المستقبلية، ما يضمن أن تكون البُنية التحتية للطّاقة خاضعةً لارتباطات “اتفاقات أبراهام” الاقتصادية، التي تضغط إدارة دونالد ترامب لإنجازها.
وتُشكّل التطوّرات المتسارعة، ميدانيًّا في الجنوب وسياسيًّا في مفاوضات واشنطن، عاملًا حاسمًا لتحديد الدور المفترض أن يضطلع به لبنان كممرٍّ إلزاميٍّ في شبكة خطوط الطّاقة والتجارة. وإصرار إسرائيل على فرض بقعة لا دور فيها لـ”حزب الله” حتّى الزهراني أو الأوّلي، هو ضرورة حيوية لتركيز تسويات كبرى ستنطلق بعد إنهاء الحالة الإيرانية الحالية، سواء في طهران نفسها أو في أي مكان آخر من الشرق الأوسط.
وعلى طاولات التفاوض الحالية والمقبلة، سيكون لبنان أمام خيار حتمي هو الانخراط الإلزامي في شبكة الممرّات الاقتصادية التي تصرّ واشنطن على تثبيتها. وهذا ما يستحيل تحقيقه قبل إنهاء حالة “حزب الله” كذراع تُحركها إيران على شواطئ المتوسط


