
في قرار دراماتيكي بالإجماع، أسقطت محكمة العدل العليا الإسرائيلية انتخاب المحامي ميخائيل رابيلو، المقرّب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومحاميه، لمنصب مراقب الدولة، بعدما خلصت إلى وجود خلل جوهري في سرية التصويت داخل الكنيست، وأمرت بإعادة الانتخابات من جديد بينه وبين القاضي السابق في المحكمة العليا يوسف ألرون.
وبحسب تقرير للصحافيين نتايال بندل وموران أزولاي في موقع “ynet” الإسرائيلي، فإن قضاة المحكمة العليا الذين نظروا في الالتماس ضد انتخاب رابيلو، قرروا اليوم الخميس أنّه “وقع خلل كان من شأنه التأثير على نتائج الانتخابات”، ولذلك يجب إعادتها. وبعد صدور الحكم، بدأ رئيس الكنيست أمير أوحانا ومحيط نتنياهو مشاورات بشأن ما إذا كان سيتم تنفيذ قرار المحكمة، وسط بحث إمكان عدم الالتزام به، فيما دعا مسؤولون في الائتلاف إلى عدم إجراء انتخابات جديدة.
وكان نائب رئيس المحكمة العليا نوعام سولبرغ هو من صاغ الحكم، وكتب أنّه “في جولة التصويت الثانية وقع خلل جوهري في مستوى سرية التصويت”، مقترحًا على باقي أعضاء الهيئة، وهم رئيس المحكمة العليا إسحق عميت، والقاضيات دافنا باراك-إيرز، روث رونين، وغيلا كنفي شتاينتس، تحويل الأمر الاحترازي الذي صدر ضد تعيين رابيلو إلى أمر نهائي، “بحيث نأمر بإلغاء التصويت وإجرائه من جديد”.
وقد وافق أعضاء الهيئة على موقف سولبرغ، وبذلك تقرّر عمليًا إعادة الانتخابات بين المحامي رابيلو، المحامي الشخصي لنتنياهو، وبين القاضي السابق في المحكمة العليا يوسف ألرون.
وكان القضاة الـ5 في المحكمة العليا قد أصدروا، أمس، أمرًا احترازيًا يجمّد دخول رابيلو إلى منصب مراقب الدولة. وقبل نحو أسبوع ونصف أسبوع، أصدرت المحكمة أمرًا مشروطًا في الالتماسات التي طالبت بإلغاء التعيين، وطلبت من الكنيست أن يشرح لماذا لا ينبغي إلغاء الانتخاب، وأن يرد على الادعاءات المتعلقة بانتهاك سرية التصويت. وقبل ساعات من ذلك، كشف ynet أن الكنيست رفض اقتراح قضاة المحكمة بإجراء انتخابات جديدة، ما أعاد الكرة إلى ملعب المحكمة.
ويوم الأحد الماضي، عُقدت جلسة إضافية في الالتماسات أمام هيئة موسعة مؤلفة من 5 قضاة في المحكمة العليا. وخلال الجلسة، طلب ممثل المستشارة القانونية للكنيست الامتناع عن إبطال انتخاب رابيلو، معتبرًا أن “أمانة الكنيست لم تكن تعلم أن الأمر ممنوع، ولا يوجد حظر صريح على التصوير في صندوق الاقتراع”.
وفي تفسيره للقرار، كتب سولبرغ: “من المهم العودة إلى نقطة البداية، إلى الأسس البسيطة، التي ربما كان يمكن الاكتفاء بها: المدعى عليهم لم يعرضوا، عمليًا، أي حجة تفسيرية توضح كيف يمكن لتصويت موثق عبر مقاطع فيديو أن ينسجم، بحسب رأيهم، مع مصطلح ‘تصويت سري’ الوارد في قانون الأساس وقانون مراقب الدولة”. وأضاف أن “واجب احترام قانون أساس يتغلب على الضرر الناتج عن إلغاء التصويت”.
وتابع سولبرغ: “إننا نرى أن قانون الأساس، وكذلك قانون مراقب الدولة، يوجهان شرط السرية إلى التصويت نفسه. النص لم يتحدث عن حق في السرية، بل عن ‘تصويت سري’، التصويت والسرية متلازمان… إن انتهاك سرية التصويت من جانب عضو كنيست، أو كما في هذه الحالة من جانب عدد من أعضاء الكنيست، ينعكس مباشرة على استقلالية تصويت أعضاء الكنيست الآخرين، وكذلك على سريته. بمعنى آخر، فإن ‘تنازل’ عضو كنيست عن سرية تصويته يمكن أن يؤدي إلى المس بسرية تصويت زملائه. ففي التصويت السري تكمن استقلالية الاختيار الحر، بعيدًا عن ضغط خارجي أو عن خشية مباشرة أو ضمنية من أن يتضرر عضو الكنيست إذا صوّت بهذه الطريقة أو تلك”.
واستعرض سولبرغ في الحكم أسماء أعضاء الكنيست الذين وثّقوا أنفسهم خلال التصويت الذي يفترض أن يكون سريًا بموجب القانون، مشيرًا إلى أن الاطلاع على التصريحات والمرفقات التي أُرفقت بالالتماسات وبردود الأطراف يبيّن أن أعضاء الكنيست ساسون غواتا، شلومو كرعي، أريئيل كلنر، غيلا غملئيل، التي وثّقت نفسها بحسب تصريحها في التصويتين، وأُرفق أيضًا مقطع فيديو لها وهي تُدخل ورقة التصويت في المغلف خارج الستار، وماي غولان، وثّقوا تصويتهم بالفيديو في الجولة الثانية. وأضاف أنّ موقف الليكود قال إن بث التصويت “لا يثبت أن الوزيرة ماي غولان وثّقت مضمون تصويتها”، إلا أن تصريحها المرفق بذلك الموقف يشير إلى عكس ذلك. كما أشار إلى أن عضو الكنيست ينون أزولاي كشف تصويته علنًا في الجولة الثانية، عندما أدخل الورقة إلى المغلف ووضعها في صندوق الاقتراع خارج الستار وبشكل مكشوف تمامًا.
وختم سولبرغ موقفه بالقول: “لا خلاف على أن العلاج الذي سنأمر به، إذا قُبل رأيي، أي إلغاء التصويت وإجراؤه من جديد، ليس أمرًا بسيطًا، ولا ينبغي الأمر به بسهولة؛ ومع ذلك، فإن واجب تنفيذ أحكام قانون الأساس وقانون مراقب الدولة، والحفاظ على سرية التصويت، يجعله في ظروف قضيتنا أمرًا محتمًا. ولن يكون زائدًا أن نضيف أنه، كقاعدة عامة، يجب التعامل مع تصويت من النوع الذي نحن بصدده، والذي أراد فيه المؤسّس والمشرّع أن يتمكن المنتخبون من التعبير عن إرادتهم الصادقة والمستقلة، بنوع من ‘الرهبة المقدسة’؛ فالأهمية الديمقراطية الكامنة في ذلك بديهية. لذلك، لا مكان في مثل هذه التصويتات لـ’اختبار الحدود’ أو خلق ‘مناطق رمادية’؛ إذا كان هناك شك، فلا شك”.
من جهتها، أوضحت القاضية دافنا باراك-إيرز أن المحكمة “لم تتدخل في تقدير الكنيست، بل إن قرارنا يهدف إلى الحفاظ على إجراء سليم وفق قانون الأساس”. وأضافت: “النتيجة التي توصلنا إليها لا تتدخل قيد أنملة في تقدير الكنيست في ما يتعلق بنتائج التصويت. إجراء جولة إضافية من الانتخابات، هذه المرة بصورة سرية، سيسمح لأعضاء الكنيست بأن يقرروا، وفقًا لضميرهم، من يريدون اختياره لمنصب مراقب الدولة، وأن ينفذوا اختيارهم بطريقة خالية من الاعتبارات الخارجية. إن قرارنا موجّه للحفاظ على الإجراء السليم وليس لفحص نتائجه. مسؤوليتنا كقضاة تتركز هنا في صلب الديمقراطية، أي ضمان نقاء العملية الانتخابية وفق نص دستوري واضح”.
أما رئيس المحكمة العليا إسحق عميت، فأكد أن “قانون الأساس ينص على أن التصويت يجب أن يكون سريًا، والتفسير القائل إن ‘التصويت السري يعني أيضًا تصويتًا غير سري’ لا ينسجم مع نص قانون الأساس وهدفه. السرية هي سرية عملية التصويت، ومعناها أنه لا يمكن قبول وضع يمكن فيه إثبات كيف صوّت الناخب، والباقي مفهوم”.
وبذلك، لا تقف القضية عند حدود منصب مراقب الدولة أو المنافسة بين رابيلو وألرون، بل تفتح اشتباكًا مؤسساتيًا حساسًا في إسرائيل بين الكنيست والمحكمة العليا، في لحظة سياسية مشحونة، حيث يتحول سؤال سرية التصويت إلى اختبار أوسع لمدى التزام السلطة السياسية بقواعد اللعبة الدستورية.




