سلايدات

إيران تدخل مرحلة الانهيار البطيء… تقرير إسرائيلي يكشف ما يخشاه النظام

تدخل إيران صيف 2026 على وقع مفارقة حادة بين خطاب خارجي عدواني يحاول إظهار القوة، وواقع داخلي يتآكل بسرعة تحت ضغط الكهرباء والمياه والوقود والغذاء والدواء. وبينما يستعد النظام لعرض قوته في مراسم تشييع المرشد الأسبوع المقبل، تكشف الأرقام الرسمية، بحسب قراءة إسرائيلية، أن ما يجري خلف الواجهة ليس سوى أزمة بنيوية متقدمة قد تجعل الصيف المقبل لحظة اختبار قاسية لطهران.

وبحسب تقرير تحليلي كتبه المقدم في الاحتياط عميت ياغور، في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن الفجوة بين السياسة الخارجية العدوانية والتصريحات الأمنية للجمهورية الإسلامية من جهة، وبين الواقع الداخلي من جهة أخرى، ستصل الأسبوع المقبل إلى ذروتها مع الأحداث المرتقبة لمراسم تشييع المرشد، وصولًا إلى صيف 2026.

ويرى ياغور أن النظام يحاول تقديم صورة “أعمال كالمعتاد”، مرتديًا قناع القوة الإقليمية، في حين أن البنى التحتية المدنية باتت في مرحلة متقدمة من الانهيار المنهجي. فالبيانات الرسمية من داخل إيران، بحسب التقرير، تكشف أن الجمهور الإيراني جائع، وأن البنى التحتية تجف، وأن رفع الحصار البحري أو ضخ الأموال بسرعة لا يشكل إلا تنفسًا اصطناعيًا لدولة وصلت إلى مرحلة متقدمة من الفشل البنيوي.

ويشير التقرير إلى أن المراقب الخارجي قد يرى الجمهورية الإسلامية قوة إقليمية صلبة، تدير سياسة خارجية هجومية، وتشغل أذرعًا خارجية، وتطلق تصريحات قتالية عن السيادة والقوة العسكرية، لكن خلف جدران دعاية الحرس الثوري يختبئ تعفن داخلي متقدم ومتسارع.

وعند تفكيك التقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية والهيئات الحكومية واعترافات المسؤولين، يقول ياغور إن الأرقام الحقيقية أكثر خطورة بكثير من أي عنوان عام في الغرب.

في ملف الكهرباء، أقر مركز الأبحاث في مجلس الشورى الإيراني أخيرًا بأن شبكة الكهرباء تدخل ذروة الصيف بعجز قياسي يبلغ 13,640 ميغاواط، أي فجوة تقارب 17% من إجمالي الطلب في البلاد. وقد أدت الأضرار التي لحقت ببنى الطاقة في جولات الضربات الأخيرة، إلى جانب النقص في مكونات الاستيراد، إلى دفع المتحدثة الحكومية فاطمة مهاجراني إلى مناشدة الجمهور خفض الاستهلاك. وعمليًا، تتوقف مستشفيات ومصانع يوميًا بسبب انقطاعات كهربائية مقصودة.

أما في المياه، فبحسب وكالات الأنباء الإيرانية، لا يتجاوز نصيب الفرد في إيران اليوم قليلًا فوق 1,000 متر مكعب سنويًا، وهو رقم يعكس كارثة إدارية. فقد تقلصت إمدادات المياه والكهرباء في البلاد بنسبة 6.5% خلال السنة الماضية، فيما يهدر أكثر من 90% من المياه عبر أساليب الري بالغمر الزراعي القديمة، وتراجعت المياه الجوفية بالتوازي مع ظاهرة خطيرة هي “هبوط الأرض” في المدن الكبرى، بما يهدد فعليًا استقرار المباني وأنابيب النقل. وفي الأطراف والمناطق الريفية، مثل خوزستان وسيستان وبلوشستان، تصل المياه بكميات محدودة، فيما بدأ تقنين صارم للمياه في مدن مركزية.

وفي الوقود، ورغم أن إيران قوة نفطية، أدى الضرر الذي لحق بالمصافي العميقة ومنشآت النقل إلى نقص حاد في الوقود المكرر محليًا. كما حدّ الحصار البحري والاضطرابات في مضيق هرمز من قدرة الاستيراد لمكونات أساسية. واضطر النظام إلى استخدام وقود غير مطابق للمعايير وملوث لتشغيل محطات الطاقة، ما تسبب بتلوث هواء شديد في المدن.

وفي الأسعار والغذاء، يعيش السوق الإيراني حالة تضخم مفرط نتيجة الحرب والانهيار الحر للريال. فالسلع موجودة فعليًا على الرفوف، ولا يوجد “جوع” كلاسيكي بمعنى الرفوف الفارغة، لكنها أصبحت غير متاحة لمعظم الجمهور بسبب “صلابة الأسعار” ونشاط الوسطاء والمضاربين.

وتكشف تقارير رسمية صادرة عن مركز الإحصاء الإيراني للأشهر الأخيرة أرقام تضخم رسمية حادة، إذ قفزت أسعار الغذاء والمشروبات بنسبة 113.8%، وارتفعت أسعار الخبز والحبوب بنسبة 140%، والزيوت والدهون بنسبة 219%.

كما ارتفع سعر كيلو الدجاج إلى 570,000 تومان، أي بزيادة 148%، فيما يتراوح سعر كيلو لحم البقر أو الغنم بين 1.3 ومليوني تومان، ووصل سعر ليتر الحليب إلى 120,000 تومان. أما برنامج القسائم الإلكترونية الحكومية، الذي يقدم دعمًا بنحو 10 ملايين ريال شهريًا، فقد تآكلت قيمته إلى أقل من 10 دولارات، ولم يعد يغطي سلة أساسية لأسبوع.

وفي حزيران، بلغ مؤشر التضخم السنوي الرسمي في إيران 62%، بينما أفادت شبكات محلية بأن تضخم الغذاء قفز إلى 135%. وتضطر الأسرة الإيرانية المتوسطة اليوم إلى إنفاق نحو 77% من دخلها فقط على المواد الغذائية الأساسية.

وأقر نائب وزير الصحة الإيراني علي رضا رئيسي عبر القنوات الرسمية بأن استهلاك اللحوم، الحمراء والبيضاء معًا، في إيران تراجع إلى 35 غرامًا فقط للفرد يوميًا، أي أقل من نصف الحد الأدنى الموصى به لمجتمع صحي، والبالغ 75 غرامًا. وببساطة، اختفى اللحم تمامًا من مائدة نصف السكان.

وفي الأدوية، يعاني النظام الصحي من نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، والمضادات الحيوية، وأدوية مرضى السرطان، والمعدات الاستهلاكية للجراحات. وقد تضررت سلاسل الإمداد بفعل الحصار وانخفاض الاستيراد العام للبلاد بنسبة 32%. ورغم السماح لسفن مساعدات إنسانية بالدخول، فإن توزيع الأدوية مشوب بالفساد المؤسساتي، فيما تحول السوق السوداء إلى المصدر الوحيد للحصول على أدوية حيوية بأسعار لا يستطيع تحملها إلا المقربون من النخبة المرتبطة بالنظام.

أما المصارف، فتواجه المنظومة المصرفية الإيرانية ديونًا متراكمة على شركات حكومية وأزمة سيولة عميقة. وتوجد رقابة مشددة وقيود قاسية على سحب الأموال النقدية وتحويل العملات الأجنبية، ما يعزز انعدام ثقة الجمهور ويدفع الرساميل إلى الخروج من النظام الرسمي.

ويعتبر التقرير أن القراءات الغربية التي ترى في رفع الحصار البحري وضخ الأموال الموعودة على المدى القصير “حبل إنقاذ” سيغير وجه الواقع في إيران هي قراءة خاطئة. فحقن الأموال سريعًا وفتح الموانئ يعالجان فقط الأعراض غير البنيوية، إذ قد يخففان نقص الوقود المكرر، ويسمحان باستيراد أدوية منقذة للحياة إلى المستشفيات، ويوقفان الانهيار الحر للريال في السوق السوداء. وبالنسبة إلى النظام، فهذا يشكل هدوءًا تكتيكيًا وحيويًا جدًا، لكنه ليس أكثر من ضمادة، لأن ضخ الأموال لن يحل مشكلات العمق البنيوية، ولا سيما قبل نهاية الصيف الحالي.

وبحسب ياغور، سيكون الصيف حارًا ومتوترًا بشكل خاص. فالجمع بين نقص الكهرباء، والنقص الحاد في المياه، وتضخم الغذاء الذي يتجاوز 100%، يخلق خليطًا قابلًا للانفجار. وإذا وجد الجمهور الإيراني نفسه في الصيف بلا مياه جارية، ولا تكييف، وبأسعار لا تسمح بشراء الخبز والدجاج، فإن موجة ثالثة وأوسع من الاحتجاجات تبدو شبه حتمية.

ويضيف التقرير أن المزاج الشعبي في إيران تغير تحت السطح، إذ توقف الجمهور عن البحث عن إصلاحات أو تغيير من داخل النظام، وربما تتجه المزاجات العامة نحو قنوات أكثر فعلية لإعادة تنظيم الشارع احتجاجًا على النظام.

ويعرف النظام ذلك، وفق التحليل، لذلك يصدّر التوتر إلى الخارج. فالمواجهة الإقليمية أو التصريحات القتالية أدوات كلاسيكية لـ”تحويل الانتباه”، ومحاولة تعبئة الوطنية الإيرانية، وتبرير حالة الطوارئ الاقتصادية، واتهام “العدو الصهيوني والأميركي” بانهيار البنى التحتية.

ويرفض ياغور ما يسميه “مسلّمة البقاء” الشائعة بين محللين غربيين، والتي تقول إن إيران تعاني مشكلات كثيرة، لكن النظام أقوى منها ويعرف كيف ينجو على حرابه. فهذه المسلّمة، برأيه، تستند إلى الماضي وتتجاهل تغيرًا دراماتيكيًا في 2026.

أولًا، فقد النظام “ائتلاف الموالين الواسع”. ففي السابق، كانت الطبقات الفقيرة والأطراف قاعدة دعمه في مواجهة “النخب الليبرالية” في طهران، أما الأرقام الحالية فتظهر أن موجة الاحتجاجات الأخيرة شهدت مشاركة واسعة من العمال، وتجار البازار، وسكان مدن الأطراف.

ثانيًا، هناك اتجاه واضح نحو الراديكالية. فقنوات “تلغرام” إيرانية سرية ومجموعات قومية، خصوصًا في الإقليم الكردي وسيستان وبلوشستان، تعرض انتقالًا إلى نوع من حرب العصابات المدنية، من إشعال حرائق واستهداف دقيق واغتيالات لعناصر الأجهزة الأمنية. ويعد اغتيال عناصر من الحرس الثوري في منطقة “فاورة” الأسبوع الماضي دليلًا مباشرًا على هذه التكتيكات.

ثالثًا، هناك حرب ظل داخلية وضرب لـ”مراكز الثقل”. فقد اعتبر موت محمد أكبر زاده، وهو قائد في بحرية الحرس الثوري كان مسؤولًا عن استراتيجية مضيق هرمز، في الشبكات الإيرانية جزءًا من حملة أوسع بكثير.

رابعًا، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي في إيران موجة شائعات وتقارير عن “تصفية حسابات” داخلية داخل الحرس الثوري، إلى جانب تصاعد جنون الارتياب لدى النظام من اختراقات استخباراتية من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد.

خامسًا، إن الاستخدام المتزايد للميليشيات الأجنبية، مثل الأفغان، والحاجة إلى فرض حظر تجول وقطع الإنترنت، يشيران إلى أن النظام لم يعد يثق بـ”المناعة المنهجية”، بل يدير معركة صدّ وتأخير.

سادسًا، لا يستطيع القمع الفعال أن يخلق مياهًا في خزان جوفي جاف، ولا يستطيع سد عجز يبلغ 13,000 ميغاواط في شبكة الكهرباء من دون استثمارات أجنبية ضخمة غير موجودة.

وعليه، يقول التقرير إن العدو الأكبر للنظام للمرة الأولى ليس المعارضة السياسية، بل الفيزياء والاقتصاد. فالنظام ليس “أقوى من مشكلاته”، بل يستخدم كل الموارد المتبقية لديه لتأجيل النهاية، على حساب تحويل الدولة فعليًا إلى دولة فاشلة.

لذلك، فإن التصريحات القتالية والسياسة الخارجية العدوانية لطهران لا تنطلق من موقع قوة، بل من تكتيك كلاسيكي لتحويل الانتباه، ومحاولة إبقاء حالة الطوارئ دائمة، واتهام “العدو” بانهيار البنى التحتية، وتعبئة وطنية قسرية. فالنظام، وفق هذه القراءة، ليس أقوى من مشكلاته، بل حصل فقط على رصيد زمني مؤقت في دولة تتحول بسرعة متزايدة إلى دولة فاشلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى