
في قراءة استراتيجية لافتة، يرى محلل إسرائيلي أن إيران راهنت في المواجهة البحرية الحالية على مضيق هرمز كسلاح ضغط عالمي، لكنها وجدت نفسها أمام فخ معاكس، بعدما تحوّل تهديد الطاقة إلى عبء اقتصادي عليها، في ظل ضخّ نفطي سعودي وروسي وأميركي، وقرار صيني مفاجئ قلّص قدرة طهران على استخدام النفط كورقة ابتزاز دولية.
وبحسب تحليل للمقدم احتياط عميت ياغور في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن استراتيجية طهران في المواجهة البحرية الراهنة قامت على فرضية بسيطة، مفادها أن إغلاق مضيق هرمز هو “سلاح يوم القيامة” الذي سيشعل أزمة طاقة عالمية، ويرفع أسعار النفط، ويجبر الولايات المتحدة والغرب على تقديم تنازلات.
إلا أن هذه الفرضية، وفق التحليل، تحطمت أمام النظام في إيران، ولم يتحقق الهدف، خلافًا لبعض التفسيرات المحيطة. ويعتبر ياغور أن إعلان “أوبك بلس” زيادة إنتاج النفط بـ188 ألف برميل يوميًا في شهر آب يكتسب أهمية خاصة في هذا التوقيت.
وبحسب قراءته، فإن التعمق في الصورة يظهر أن السوق العالمية انتقلت بسرعة مفاجئة وقياسية من حالة نقص في النفط إلى فائض في العرض. وهكذا، حين يضخ السعوديون والروس والولايات المتحدة كميات بديلة في السوق، تتراجع بشكل كبير قدرة إيران على التهديد بصدمة طاقة عالمية.
والأكثر من ذلك، فإن الاقتصاد الإيراني، الذي يعتمد بشكل حاسم على صادرات النفط، يتعرض لضربة قاسية نتيجة هبوط سعر البرميل. فزيادة ضخ النفط من السعودية وجيرانها ستخلق، بحسب التحليل، فائض عرض مؤكدًا في الأسواق المركزية في آسيا، ما سيجبر إيران على خفض أسعار نفطها أكثر للعثور على مشترين.
ويرى ياغور أن خيار السعودية الاستمرار في إغراق السوق بالنفط مع “أوبك بلس” يكشف طبيعة المعركة الحقيقية. فالسعودية قادرة على تحقيق أرباح حتى عند سعر 60 دولارًا للبرميل، بينما تحتاج إيران إلى بيع النفط بأكثر من 90 دولارًا للبرميل كي توازن موازنتها. وبذلك، يقول التحليل إن السعودية ستساعد فعليًا في تجفيف إيران ماليًا، فيما تحافظ في العلن على “ابتسامات دبلوماسية”.
ويشير التحليل إلى أن الفشل في الجبهة الإيرانية ظهر في أكثر من مجال. أولًا، عبر إعادة فتح الجزء الجنوبي من مضيق هرمز أمام عبور السفن. فقد كانت استعادة تدفق النفط عبر المضيق، في الجانب العُماني وبمساعدة قطع بحرية أميركية، أسرع من المتوقع.
أما ثانيًا، فتمثل في “المقاطعة الصامتة” من جانب الصين، التي فاجأت إيران كثيرًا. فالضربة الاقتصادية المكملة لطهران جاءت من بكين تحديدًا، التي كان يفترض أن تكون سندها الاقتصادي والسياسي. فقد قررت الصين وقف استيراد نفط جديد مؤقتًا والاعتماد على مخزونها الطارئ، ما أدى إلى “تحرير” ملايين البراميل في السوق العالمية.
وبحسب التحليل، فإن القرار الصيني الأحادي بتقليص واردات النفط بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا منع القفزة في الأسعار التي كانت إيران تراهن عليها. ويطرح ياغور احتمال وجود عناصر تنسيق مع ترامب خلال زيارته إلى الصين، لكنه يرى أيضًا أن الخطوة تعكس استراتيجية صينية تقوم على استخدام المخزونات الذاتية بدل شراء النفط بأسعار حرب مرتفعة، وربما محاولة صينية لتحويل واردات الطاقة نهائيًا نحو أنابيب برية من روسيا وآسيا الوسطى.
ويعتبر ياغور أن انتقال سوق الطاقة من حالة “قلق على الإمدادات” إلى حالة “فائض عرض” يدل على أن الولايات المتحدة ربما لم تكن “منخرطة” فقط، بل صنعت “فخًا” ووقّتت عناصره كلها عند نقطة زمنية واحدة. فقد كانت إيران تأمل العودة إلى السوق كمنقذ والاستفادة من الأسعار المرتفعة، لكنها خابت، وتلقت بذلك ضربة قاسية لموازنة الدولة، مع تجفيف تدفق النقد المركزي للحرس الثوري.
ويضيف التحليل: ما الذي يبقى إذًا كمصدر دخل؟ هرمز ورسوم المرور، ومن هنا يأتي الإصرار الإيراني.
وبحسب ياغور، فإن توقيت كل هذه الخطوات، بما في ذلك الضربات الأميركية خلال الليالي الأخيرة، يهدف إلى منع إيران من امتلاك القدرات المادية للعودة إلى إغلاق هرمز. ومن المرجح، وفق التحليل، أن يتغلغل هذا الفخ الاستراتيجي بسرعة داخل النسيج الاقتصادي والمدني الهش أصلًا في إيران.
فوقف تدفق الأموال من الصين، إلى جانب الكلفة العالية لإصلاح البنى التحتية الحيوية، يدفعان العملة المحلية نحو سقوط حر، ويخلقان نقصًا فوريًا في قطع الغيار والمواد الأساسية.
ويلفت ياغور إلى نقطة مهمة أخرى من الليلة الأخيرة، وهي أن الولايات المتحدة نفذت ضربة غير اعتيادية، لأن معظم الضربات كان على طول الساحل، واستهدفت سكة الحديد وجسور القطارات المؤدية إلى مشهد في شمال شرق إيران، ما أصاب عمليًا أيضًا طريق نقل بري أساسي للبضائع القادمة إلى إيران من الصين.
ويرجّح التحليل أن تؤدي ضربة الجسر، إلى حين إصلاحه، إلى اختناقات في حركة القطارات والشاحنات، وإلى نقص في الوقود، وانقطاع في الكهرباء، واضطراب في إمدادات الغذاء إلى المدن المركزية. وبطريقة وصفها التحليل بالفرويدية، فإن جثمان المرشد الأعلى علي خامنئي كان من المتوقع أن يُدفن في مشهد بعد انتهاء مراسم التشييع.
ويخلص ياغور إلى أن الساحة الداخلية في إيران تقف عند نقطة اجتماعية واقتصادية صعبة. فمع تراجع عائدات النفط التي يعتمد عليها الحرس الثوري بما يقارب النصف، يواجه النظام في طهران معضلة قاسية.
ووفق التحليل، فإن كل دولار ينخفض من سعر البرميل، حتى لو رفعت الضربات العسكرية السعر مؤقتًا قبل أن تدفعه لاحقًا إلى الهبوط، يقرّب الشارع الإيراني من الانفجار. وينهي الكاتب بسؤال مفتوح: هل ما نشهده فعليًا هو “خلق شروط إسقاط النظام”؟
وبين مضيق لم يعد يكفي لابتزاز العالم، وسوق نفط أغرقته السعودية وحلفاؤها، وضربات تطال طرق التجارة نحو الصين، تبدو إيران في مواجهة معادلة جديدة: الابتسامات الدبلوماسية قد تخفي أحيانًا أقسى أنواع الضغط الاقتصادي.




