
حذّر رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل من أن الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على الاحتلال أو الأزمة الاقتصادية أو الانقسام السياسي، بل يتمثل في فقدان اللبنانيين ثقتهم بإمكان العيش معًا داخل دولة واحدة، وبدء كل مجموعة البحث عن ضمانات خارج إطار الدولة.
وقال باسيل، خلال احتفالية تطويب البطريرك إلياس الحويك في البترون، إن اللبنانيين يجتمعون «ليس لاستعادة صفحة من الماضي، بل لاستعادة المعنى الذي يحتاج إليه حاضر لبنان ومستقبله»، معتبرًا أن إعلان الحويك طوباويًا لا يشكّل تكريمًا لشخص أو لطائفة، بل لمشروع آمن به شعب وقاده رجل استثنائي.
وأشار إلى أن اللبنانيين اعتادوا معرفة الحويك بوصفه مؤسس لبنان الكبير، موضحًا أنه لم يرسم حدود الجغرافيا فحسب، بل رسم حدود الرسالة، ولم يطلب دولة للمسيحيين، وإنما دولة يطمئنون داخلها وتحرسها الحياة الوطنية المشتركة.
وأضاف أن الحويك كان قادرًا على اختيار الطريق الأسهل والمطالبة بكيان أصغر وأكثر تجانسًا وأمانًا للمسيحيين في ذلك الزمن، لكنه اختار الطريق الأصعب: وطنًا يقوم على الشراكة لا العزلة، وعلى اللقاء لا الخوف، وعلى الثقة لا الغلبة.
ورأى باسيل أن الحويك اختار لبنان الكبير ليس بهدف التوسع الجغرافي، بل لتوسيع رسالة لبنان، بعدما أدرك أن التنوع مصدر غنى لا نقطة ضعف، وأن الاختلاف لا يمنع الاعتراف المتبادل، وأن الدولة لا تنجح بانتصار فريق على آخر، بل عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء رابحون.
ولفت إلى أن الحويك ترجم مبادئ التعددية والعيش المشترك والديمقراطية التوافقية إلى مشروع سياسي لكيان ناشئ، قبل انتشار هذه المصطلحات عالميًا، مؤمنًا بأن اللبنانيين قادرون على العيش معًا، لا لأنهم متشابهون، بل لأنهم مختلفون.
وأكد باسيل أن الحويك لم يطلب من اللبنانيين التخلي عن خصوصياتهم، بل تحويلها إلى جسر يربطهم ببعضهم وبالوطن، لا إلى جدار يفصل بينهم، مشددًا على أن لبنان الكبير لم يكن انتصارًا لطائفة أو تسوية فرضتها الظروف، بل خيارًا قائمًا على أن الحرية والشراكة هما طريق بناء وطن قابل للحياة في الشرق.
وسأل: «في ذكرى مئوية دستور لبنان الكبير، ومع إعلان حاضرة الفاتيكان إلياس الحويك طوباويًا، كيف يجوز لأي كان التخلي عن هذا الإرث العظيم؟»، مضيفًا أن ما بقي من مشروع الحويك هو الوطن وصيغته وميثاقه، فيما لا تزال الدولة تبحث عمّن يحققها، وهذه لم تكن مسؤولية البطريرك، بل مسؤولية الجميع.
وعن دور المسيحيين في لبنان والمنطقة، قال باسيل إن دورهم يتمثل في بناء دولة قوية، بالتساوي مع شركائهم، ضمن شرق مستقر.
وشدد على أن الحويك أراد شراكة تنتج دولة، لكن الدولة تحولت إلى رهينة للخلافات بين الشركاء، معتبرًا أن الحويك آمن بالخيار اللبناني، فيما سلك كثيرون ممن تولوا المسؤولية بعده طريق الرهانات.
وأضاف أن بعض اللبنانيين راهنوا على الشرق، وآخرين على الغرب، وغيرهم على موازين القوى الإقليمية والدولية، لكن الرهانات لا تبني وطنًا، بل تبنيه الخيارات.
وأكد أن الخيار الأول الذي يحتاج إليه لبنان اليوم هو انتماء الجميع إلى الدولة قبل أي انتماء آخر، وتحويل العيش المشترك إلى مصدر قوة لا إلى مادة للخوف، مستشهدًا بقول الحويك: «نموت في ظل صخور جبل لبنان، ولا نعيش في ظل دول أخرى».
ورأى باسيل أنه بعد أكثر من مئة عام، من المؤلم أن تلاحق شباب لبنان مخاطر كثيرة واجهها جيل الحويك، مؤكدًا أن لبنان الكبير لا يحتاج إلى تبديل هويته أو هدم ميثاقه، بل إلى تطوير دولته.
وختم بالتشديد على أن الميثاق لم يكن يومًا دعوة إلى الشلل، بل إلى الشراكة، وأن تطوير النظام اللبناني لا يعني التخلي عنها، وإنما تحريرها من كل ما عطّلها، معتبرًا أن لبنان يحتاج إلى دولة قوية، لأن الدولة الضعيفة عاجزة عن حماية الوجود والتنوع اللذين قام عليهما الوطن.




