سلايدات

إسرائيل أمام مأزق وجودي… تحذير من الانجرار إلى الفخ الإيراني

رغم ما حققته إسرائيل من إنجازات تكتيكية في الحرب مع إيران والمواجهة المستمرة مع حزب الله، حذّر خبير إسرائيلي بارز من أن الدخول في جولات عسكرية متكررة مع طهران قد يضع إسرائيل أمام سيناريو لا تستطيع تحمّله اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا، داعيًا في المقابل إلى استثمار ما وصفه بـ”نافذة فرص” في لبنان وسوريا.

وبحسب تقرير للصحافية باتيا غلعادي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، قال أستاذ الاستراتيجية وشؤون الشرق الأوسط في جامعة حيفا، البروفيسور أمتسيا برعام، إن إسرائيل تواجه اليوم تحديات لا تقل تعقيدًا عن القتال نفسه.

وفي مقابلة مع “معاريف”، قدّم برعام صورة مركبة للمشهد، معتبرًا أن إسرائيل نجحت، من جهة، في تعزيز ردعها أمام إيران وتعميق ضعف حزب الله، لكنه انتقد، من جهة أخرى، ما وصفه بتزايد اعتمادها على الولايات المتحدة، محذرًا من جولات قتال متكررة مع إيران، وداعيًا الحكومة إلى استغلال الفرص السياسية في لبنان وسوريا.

وقال برعام إن التحول الأكبر الذي أفرزته الحرب يتمثل، وفق تقديره، في مستوى اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة.

وأضاف: “برأيي، كل تحركنا في مواجهة إيران تمليه علينا اليوم الولايات المتحدة. لطالما اعتمدنا على القوة الأميركية إلى حد ما، لكننا لم نصل يومًا إلى درجة من الاعتماد شبه الكامل كما هو الحال اليوم. كانت لدينا مساحة معينة من حرية التحرك، وهذه الحرية سُلبت منا. هذه هي الحقيقة الاستراتيجية التي نعيشها”.

وحذّر من أن هذا الواقع ينطوي على خطر أن تفرض الولايات المتحدة على إسرائيل سياسة قد تتوافق مع المصلحة الأميركية، لكنها تتعارض مع المصلحة الإسرائيلية.

وأوضح أن ذلك لا يعني أن كل قرار أميركي يتناقض مع مصالح إسرائيل، لكنه شدد على ضرورة أن تحمي إسرائيل مصالحها الحيوية، وأن تدرك في الوقت نفسه حدود قوتها وتتصرف وفقًا لها، معتبرًا أن هذا التوازن يتطلب قدرًا كبيرًا من المسؤولية وضبط النفس.

وفي مقابل انتقاداته، رأى برعام أن إسرائيل حققت إنجازًا استراتيجيًا مهمًا واحدًا خلال حرب الـ40 يومًا، تمثل في تعزيز الردع أمام إيران.

وقال: “الإنجاز الاستراتيجي المهم فعلًا هو أننا عززنا الردع أمام إيران. الإيرانيون يدركون أنهم، على الأقل في المستقبل القريب، غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم أمام هجوم إسرائيلي، وهم يفهمون جيدًا قدرات سلاح الجو الإسرائيلي. وهذا هو السبب في أنهم لم يهاجمونا خلال الأسبوعين الأخيرين”.

إلا أنه اعتبر أن هذا الإنجاز، حتى مع الأضرار التي لحقت بإيران خلال حرب الـ40 يومًا، لا يبرر وحده الثمن الذي دفعته إسرائيل.

وأضاف: “بحسب تقديري، كان واضحًا للإيرانيين منذ الحملة السابقة في حزيران 2025 من يسيطر على الأجواء. الحرب الأخيرة عززت أساسًا ردعًا كان قائمًا أصلًا. لم أكن لأخرج إلى الحرب من أجل هذا الإنجاز وحده”.

وحذّر برعام من احتمال أن تبادر إسرائيل إلى مواجهة إضافية مع إيران، قائلًا: “أقول لرئيس الحكومة ما قالته لي والدتي عندما التحقت بالجيش: نفّذ الأوامر، لكن لا تتطوع”.

وتابع: “إذا طلبت الولايات المتحدة منا المشاركة في حملة عسكرية، فسنشارك، لكن ما دامت لا تطلب ذلك، فلا ينبغي لإسرائيل أن تُدخل نفسها في حرب، إلا إذا تعرضت لهجوم”.

وشدد على أن إسرائيل غير مؤهلة لخوض مواجهة طويلة الأمد مع إيران، قائلًا: “إسرائيل ليست مبنية لتبادل الضربات مع إيران كل بضعة أشهر، لا الاقتصاد ولا المجتمع الإسرائيلي، ولا حتى سلاح الجو. سلاح الجو لدينا ممتاز، لكنه صغير. لا يمكن خوض حرب استنزاف مع دولة ضخمة تبعد عنا مسافة تتراوح بين 1500 و2000 كيلومتر”.

ورأى أنه إذا فرضت إيران حربًا واسعة على إسرائيل، فيجب أن تكون الاستراتيجية مختلفة هذه المرة.

وقال: “إذا خرجنا إلى الحرب، فلا يجوز الانجرار إلى سلسلة من الجولات. يجب ضرب البنى التحتية التي تُبقي الاقتصاد الإيراني قائمًا، مثل محطات الطاقة ومنشآت التكرير وغيرها من البنى التحتية الحيوية، وليس الاستمرار في اغتيال قائد تلو الآخر”.

وأضاف: “يمكن قتل 20 قائدًا، وسيأتي آخرون مكانهم. السؤال هو كيف نضرب قدرة الدولة على مواصلة القتال”.

كما انتقد برعام ترتيب الأولويات الإسرائيلية خلال الحرب، معتبرًا أنه كان ينبغي توجيه جهد أكبر نحو المنشآت النووية.

وقال: “بحسب تقديري، ونظرًا إلى أن احتمالات تغيير النظام لم تكن مرتفعة، كان يجب استثمار قدر أكبر بكثير في المنشآت النووية، وتقليل التركيز على أهداف أخرى. لم يكن بالإمكان تحقيق كل شيء، لكن كان يمكن فعل المزيد”.

وفي موقف لافت، اعتبر برعام أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني كان خطأ.

وقال: “بحسب تقديري، كان ذلك خطأ. كل من يعرف إيران كان يعلم أن الحرس الثوري ينتظر اليوم الذي يرحل فيه خامنئي، ليتمكن من السيطرة بصورة كاملة على عملية اتخاذ القرار. كان المرشد الأعلى أكثر براغماتية وكان يكبحهم”.

وأضاف: “ما دام تغيير النظام لم يكن مضمونًا، فإن اغتيال خامنئي لم يفعل سوى تمهيد الطريق أمام الحرس الثوري للوصول إلى السلطة”.

وتابع: “إذا حكمنا استنادًا إلى سلوكه في حالات سابقة، فإن خامنئي الأب لم يكن ليسمح للحرس بإغلاق مضيق هرمز، وكان سيمنع أيضًا الهجمات على عرب الخليج. وكان سيسعى إلى اتفاق نووي شبيه بالاتفاق الذي وُقع بأمر منه مع القوى الكبرى في عام 2015”.

وأوضح أن هذا يبقى تقديرًا شخصيًا، لكنه رأى أنه كان ينبغي أخذ ما سيحدث في اليوم التالي في الاعتبار.

وفي ما يتعلق بلبنان، بدا برعام أكثر تفاؤلًا، معتبرًا أن هناك فرصة لم تكن متاحة منذ عقود.

وقال: “هناك اليوم فرصة لم تكن موجودة منذ عشرات السنين. بحسب تقديري، هناك أكثرية لا تقل عن 70% داخل الجمهور اللبناني والبرلمان والحكومة تريد نزع سلاح حزب الله، والتوصل إلى اتفاق عدم قتال، وربما حتى سلام طويل الأمد مع إسرائيل”.

ودعا إسرائيل إلى مواصلة التعاون مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، بدعم أميركي.

وقال: “في كل مكان ينسحب منه الجيش الإسرائيلي، ويحل الجيش اللبناني مكانه، ويتضح أنه يمنع حزب الله من العودة، يكون ذلك إنجازًا كبيرًا لإسرائيل وللبنان أيضًا”.

وأضاف: “ليس من الضروري تفكيك حزب الله خلال يوم واحد، بل يمكن إضعافه تدريجيًا”.

وأشار إلى أن نجاح هذه الخطوة قد يحمل أهمية كبيرة لسكان شمال إسرائيل، قائلًا: “إذا نجحت العملية، يمكن إعادة القوات تدريجيًا إلى منازلها وتثبيت الحدود. لن يحدث ذلك صباح الغد، لكن هذا هو الطريق الصحيح”.

ورأى برعام أن على إسرائيل استئناف الحوار مع الحكم الجديد في سوريا أيضًا.

وقال: “هناك مصلحة مشتركة لإسرائيل وسوريا ولبنان في منع تهريب السلاح الإيراني إلى حزب الله. بدلًا من تجميد كل شيء، يجب بناء تفاهمات أمنية والعمل على المصالح المشتركة”.

وعند سؤاله عن صورة إسرائيل في العالم العربي، فرّق برعام بين الردع العسكري والمكانة السياسية.

وقال: “بحسب تقديري، لم يتآكل الردع الإسرائيلي. دول المنطقة كانت تعرف مسبقًا تفوق سلاح الجو الإسرائيلي، والتحرك في إيران عزز هذا الإدراك”.

لكنه أشار في المقابل إلى وجود أزمة ثقة سياسية بين إسرائيل من جهة، والأردن ومصر من جهة أخرى، مؤكدًا ضرورة العمل على معالجتها.

أما على الساحة الدولية، فرأى أن الصورة أكثر صعوبة.

وقال: “بحسب تقديري، تواجه إسرائيل اليوم وضعًا سياسيًا أكثر صعوبة. جزء كبير من العالم بات أكثر تحفظًا تجاهنا، وحتى داخل الولايات المتحدة نرى تحولًا سلبيًا في الرأي العام. أي حكومة تتشكل ستحتاج إلى استثمار جهد كبير جدًا في ترميم هذه العلاقات”.

ووجّه برعام انتقاداته الأكثر حدة إلى الساحة الداخلية، إذ أشاد بعمل الجيش الإسرائيلي ضد المسلحين، لكنه اعتبر أن أعمال العنف التي ينفذها بعض المستوطنين تتسبب لإسرائيل بأضرار استراتيجية.

وقال: “الجيش الإسرائيلي قام بعمل مثير للإعجاب في تقليص العمليات المسلحة في الضفة الغربية، لكن ما يحدث هناك كارثة. استفزازات بعض المستوطنين تشعل المنطقة، وتضر بمكانة إسرائيل عالميًا، وتوفر الذخيرة لخصومها”.

وأضاف: “لا يمكن تبرير العمليات المسلحة تحت أي ظرف، لكن لا يمكن أيضًا تجاهل تداعيات الاستفزازات. إذا لم نفرض القانون والنظام، فإننا نؤذي أنفسنا”.

وفي خلاصة موقفه، دعا برعام إسرائيل إلى حسن استثمار إنجازاتها وعدم التسرع في فتح جبهات جديدة.

وقال: “إسرائيل قوية جدًا، لكن القوة يجب أن تُدار بحكمة. يجب استغلال نافذة الفرص في لبنان وسوريا، وتجنب جولات الاستنزاف مع إيران، والعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة”.

وختم بالقول: “أحيانًا يكون الإنجاز الأكبر هو أن تعرف متى لا تخرج إلى حرب جديدة”، في تحذير يعكس خشية متزايدة داخل إسرائيل من أن تتحول المكاسب العسكرية المحدودة إلى استنزاف استراتيجي يصعب احتواؤه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى