
بات مشروع قانون العفو أمام عقدة قد تكون كافية لإسقاطه بالكامل، بعدما انتقل الخلاف من مبدأ العفو نفسه إلى كلمة واحدة في المادة الخامسة هي “مبرم”. وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، فإن إصرار عدد من النواب السنّة على إدخال هذه الكلمة إلى النص، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه قيادة الجيش وقوى سياسية أخرى، بات يهدد عملياً مصير القانون الذي يسعى هؤلاء النواب أنفسهم إلى تمريره.
وتنص المادة الخامسة في الصيغة المطروحة على أنه “استثنائياً وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026 والتي لم يصدر أي حكم فيها، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 14 سنة سجنية، على القاضي تخلية سبيل المدعى عليه حكماً وتستمر محاكمته وفقاً للأصول القانونية”. إلا أن النواب السنّة رفعوا مذكرة تتضمن تعديلات على هذه المادة، أبرزها خفض مدة التوقيف من 14 إلى 12 سنة سجنية، والأهم إضافة كلمة “مبرم” إلى عبارة “لم يصدر أي حكم فيها”، لتصبح الاستفادة ممكنة لمن لم يصدر بحقه أي حكم مبرم.
هذا التعديل هو جوهر الأزمة، لأن الفارق بين “أي حكم” و”أي حكم مبرم” يغيّر بصورة أساسية دائرة الأشخاص الذين يمكن أن يشملهم القانون. فالنص الحالي يطال من أمضوا سنوات طويلة موقوفين من دون صدور حكم بحقهم، أما الصيغة التي يضغط النواب السنّة لاعتمادها فتسمح بأن تشمل المعالجة أيضاً أشخاصاً صدرت بحقهم أحكام قضائية، لكنها لم تصبح نهائية أو مبرمة بعد.
ومن هنا جاء اعتراض قيادة الجيش شديد اللهجة، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية أن إضافة كلمة “مبرم” ستفتح الباب أمام الإفراج عن عدد كبير من الموقوفين والمحكومين في ملفات أمنية وإرهابية شديدة الحساسية، بينها قضايا خاض فيها الجيش مواجهات وسقط له خلالها شهداء وجرحى. وهذا الاعتراض هو الذي حمله وزير الدفاع ميشال منسى خطياً إلى نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب خلال زيارته المفاجئة إلى مجلس النواب.
لكن العقدة لم تعد محصورة في موقف الجيش. فبحسب المعطيات، فإن الصيغة التي يصر عليها النواب السنّة يصعب أن تحظى بالتوافق السياسي والنيابي المطلوب لتمرير القانون، ما يعني أن استمرار التمسك بكلمة “مبرم” قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً لما يريده أصحاب هذا الطرح، أي سقوط قانون العفو كله بدلاً من توسيع المستفيدين منه.
وبهذا المعنى، بات النواب السنّة أنفسهم أمام مسؤولية مباشرة في مصير المشروع. فإذا كان الهدف الأساسي هو إقرار قانون يسمح بمعالجة أوضاع الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجن من دون أحكام، فإن الإصرار على توسيع الاستفادة لتشمل من صدرت بحقهم أحكام غير مبرمة قد يدفع القوى المعترضة إلى رفض المادة، ومعها القانون برمّته.
وتقول مصادر متابعة إن المشكلة لم تعد في وجود استعداد لمناقشة قانون العفو، بل في السقف الذي يحاول النواب السنّة رفعه. فكلما اتسعت دائرة المستفيدين من خلال إضافة كلمة “مبرم”، تقلصت في المقابل مساحة التوافق السياسي حول المشروع، إلى درجة بات معها التمسك بهذه الصيغة عاملاً يهدد بتطيير القانون قبل وصوله إلى خواتيمه.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: النواب الذين يضغطون من أجل توسيع العفو بهدف الإفراج عن أكبر عدد من الموقوفين قد يكونون، بسبب تعنتهم في هذه العبارة تحديداً، السبب في عدم خروج أي منهم.
فالمعركة اليوم لم تعد على 12 أو 14 سنة فقط، بل على كلمة واحدة ستحدد مصير القانون كله. وإذا استمر الإصرار على “مبرم” رغم الاعتراضات، فإن مشروع العفو قد يسقط لا بسبب رفض مبدأ العفو، بل بسبب محاولة توسيعه إلى حد لا يستطيع المجلس النيابي ولا المؤسسة العسكرية القبول به.




