
قبل 11 أسبوعاً فقط من موعد الانتخابات الإسرائيلية، بدأت أولى علامات القلق تتسلل إلى الدائرة الإعلامية والسياسية المحيطة ببنيامين نتنياهو. فالرهان داخل الليكود لم يعد، وفق قراءة إسرائيلية، على ترتيب هذا الوزير أو ذاك في القائمة، بل على قدرة نتنياهو خلال 77 يوماً على إعادة إشعال شعور “الطوارئ” لدى ناخبيه، ودفعهم مجدداً إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع كما فعلوا في محطات انتخابية سابقة.
وبحسب تحليل للصحافي نداف بيري في “N12” الإسرائيلي، ظهرت الصورة بشكل لافت مساء الاثنين، وتحديداً بعد 52 دقيقة من بدء بث برنامج “هباتريوتيم”، حين تبدّل مزاج الاستوديو الذي يُنظر إليه، بحسب الكاتب، بوصفه واحداً من أبرز مصانع الرسائل السياسية المؤيدة لنتنياهو.
ويعتبر بيري أن متابعة ما يُقال في القناة المقربة من السلطة تحمل دلالات سياسية خاصة، قائلاً إن مشاهدة فقرة يعقوب بردوغو صباحاً تتيح معرفة ما كان نتنياهو يفكر فيه ليلاً، فيما يمكن من خلال متابعة حلقة “هباتريوتيم” مساءً تقدير ما سيقوله أنصار رئيس الحكومة في اليوم التالي.
ويصف الكاتب استوديو البرنامج بأنه أكثر من مجرد منصة تلفزيونية، بل “مصنع رسائل”، تدخل إليه قضية للنقاش وتخرج منه رواية سياسية جاهزة، حيث يقوم ينون ماغال، ويوتام زيمري، وإيتمار فليشمان، كل بطريقته، بصقل الرسالة وتوجيهها إلى جمهور اليمين.
لكن ما حدث مساء الاثنين كان مختلفاً.
فبعد نحو ساعة على بدء البث، انتقل النقاش إلى استطلاعات الرأي، ولا سيما الفجوة غير الإحصائية، بحسب وصف بيري، بين الاستطلاعات التي يعدها شلومو فيلبر لصالح القناة 14 وبين معظم استطلاعات ودراسات الرأي الأخرى.
وفي هذا السياق، كشف ينون ماغال أنه اتصل بفيلبر نفسه، قائلاً: “اتصلت به اليوم وقلت له: مومو، يجب أن تطمئنني. إلى أي حد أنت واثق؟ إلى أي حد أنت متأكد؟”.
ويرى بيري أن مجرد طرح هذا السؤال يعكس إدراكاً لدى أحد أبرز صناع الرسائل المؤيدة لنتنياهو بأن ثمة مشكلة محتملة في الأرقام.
لكن يوتام زيمري ذهب أبعد من ذلك، قائلاً بصورة مباشرة إنه لا يصدق استطلاعات فيلبر، وأضاف: “أعتقد أننا سنخسر. بفارق كبير. سنخسر بفارق كبير”.
وبحسب الكاتب، تحوّل الاستوديو الذي اعتاد الظهور بمزاج واثق ومتفائل إلى مساحة تعكس للمرة الأولى بوضوح حجم القلق داخل معسكر نتنياهو.
ويشبّه بيري الأمر بطبيب يضع السماعة على جسد مريض لسماع أدق نبضاته، معتبراً أن المشاهدين حصلوا تلك الليلة على فرصة نادرة لسماع “نبض الخوف الحقيقي” لدى الأشخاص الذين يصوغون الخطاب السياسي المؤيد لنتنياهو.
ومع ذلك، يشدد الكاتب على أن الانتخابات لا تزال على بعد 11 أسبوعاً، أي 77 يوماً وليلة، وهي مدة تزيد على ضعف الفترة التي تستغرقها حملة انتخابية كاملة في بريطانيا، ولذلك فإن المؤشرات الحالية لا يمكن التعامل معها باعتبارها نتيجة نهائية.
وكان رئيس الكنيست أمير أوحانا قد قال قبل أيام أمام ناشطي الليكود: “لو كانت الانتخابات اليوم، فالوضع إشكالي، الوضع صعب”.
لكن بيري يقلل في المقابل من أهمية الجدل الدائر حول ترتيبات القائمة الداخلية لليكود، بما في ذلك إعلان الحزب عند الساعة 1 فجراً عن ضمان موقع يسرائيل كاتس ضمن مجموعة من المراكز الأولى، وحاييم كاتس ضمن مجموعة أخرى.
وينتقد الكاتب أيضاً توقيت نشر بيان من هذا النوع في ساعات الليل المتأخرة في محاولة، بحسب قراءته، لدفنه إعلامياً، متسائلاً كيف يمكن الاعتقاد أن الخبر لن يعود إلى الواجهة مع انطلاق دورة الأخبار في الصباح التالي.
ويرى أن النقاش حول ما إذا كان أعضاء كنيست مخضرمون أو مرشحون جدد فقط سيُسمح لهم بخوض المنافسة على المقاعد المخصصة للمناطق، وهي مقاعد تقع أساساً خارج النطاق الواقعي وفق الاستطلاعات الحالية، ليس هو ما سيحسم اتجاه النتائج ليلة 27 تشرين الأول.
وبالنسبة إلى الكاتب، فإن هذه التفاصيل ليست سوى “رغوة على سطح الماء”، بينما المؤشر الحقيقي سيكون في مكان آخر تماماً: هل يملك ناخبو الليكود سبباً قوياً بما يكفي يدفعهم إلى مغادرة منازلهم والتوجه إلى صناديق الاقتراع؟
ويشرح بيري فكرته بمثال بسيط: شخص لديه يوم عطلة، يستطيع النوم حتى وقت متأخر أو الذهاب إلى البحر أو التجول في مركز تجاري، لكنه بدلاً من ذلك يخرج من منزله إلى مدرسة قريبة، ويقف في طابور وربما ينتظر طويلاً، ثم يضع ورقة في ظرف ويسقطها في صندوق الاقتراع. وإذا لم تكن لديه دوافع قوية، فقد يفضّل البقاء على الشاطئ أو العودة إلى النوم.
وبرأيه، كان لدى ناخبي الليكود في 1 تشرين الثاني 2022 سبب واضح يدفعهم إلى صناديق الاقتراع، إذ أرادوا إسقاط حكومة قصيرة العمر اعتبروها مليئة بالمشكلات، فامتلكوا هدفاً واضحاً وحماسة عالية.
وكذلك في 17 آذار 2015، عندما اندفع ناخبو الليكود إلى التصويت في الساعات الأخيرة بعدما نجح نتنياهو، في الأيام الأخيرة من الحملة، بإقناعهم بأن حكومة يسارية باتت على الأبواب، وأن “العرب يتدفقون” إلى صناديق الاقتراع، وأن الدولة في خطر.
ويعتقد بيري أن المخاوف التي عبّر عنها زيمري وأوحانا تنبع من شعورهما بأنه لو جرت الانتخابات اليوم، فإن ناخبي الليكود قد لا يندفعون إلى التصويت بالطريقة نفسها، لأن الحافز الذي أشعلهم في جولات سابقة ليس واضحاً حتى الآن.
ومع بقاء 11 أسبوعاً، يتوقع الكاتب أن تتواصل محاولات إشعال هذا “الاحتراق الداخلي” لدى قاعدة الليكود بلا توقف، ولا يستبعد أن تنجح في نهاية المطاف.
وبذلك، لا تتمثل المعركة الأساسية أمام نتنياهو في الأسابيع الـ11 المقبلة في موقع يسرائيل كاتس أو حاييم كاتس على القائمة، بل في استعادة الشعور الذي صنع انتصارات الليكود السابقة: إقناع قاعدته بأن الانتخابات ليست مجرد اقتراع سياسي جديد، بل معركة وجودية تستحق أن يتوجهوا من أجلها إلى الصناديق.




