
يجد أبناء الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا سيما المحسوبون على بيئة حزب الله أو الثنائي، أنفسهم أمام خيارين صعبين: البقاء في الضاحية وتحمل المخاطر الأمنية في حال تجدّد الاعتداءات الإسرائيلية، أو السكن خارجها، وهو خيار لم يعد سهلاً في ظل موجة التوتر والتطرف التي رافقت موجات النزوح، وما رافقها من إحجام عدد من مالكي العقارات، في مناطق مختلفة وحتى ضمن بيروت، عن تأجير من ينتمون إلى هذه البيئة.
لكن العودة إلى الضاحية، ولا سيما بالنسبة إلى أصحاب المنازل التي دُمّرت أو تضررت بفعل العدوان الإسرائيلي، اصطدمت بارتفاع كبير في بدلات الإيجار، في وقت فقد فيه عدد من أبناء المنطقة أعمالهم ومصادر دخلهم نتيجة الحرب.
كما أن الضاحية رغم الدمار الذي لحق بها باتت اليوم تستضيف أعداداً كبيرة من العائلات النازحة من الجنوب، التي لم تجد ملاذاً سوى فيها، وهي تعاني اصلاً من خسارة ارزاقها واملاكها في الجنوب، ما جعل قدرتها على تحمّل الإيجارات المرتفعة محدودة.
وبحسب المعطيات المتداولة، ارتفعت الإيجارات داخل الضاحية الجنوبية بنحو 30 في المئة، فيما قاربت الزيادة في أطرافها 50 في المئة. فالشقة التي كان بدل إيجارها يتراوح بين 400 و450 دولاراً، باتت تُعرض بنحو 550 إلى 600 دولار، فيما لامست بدلات بعض الشقق ألف دولار، مع اشتراط دفع ستة أشهر سلفاً، رغم أن إيجار بعضها قبل الحرب لم يكن يتجاوز 700 دولار في المناطق الطرفية.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا أن البلديات لا تملك، وفق القانون، صلاحية مباشرة لفرض سقف على بدلات الإيجار أو إلزام المالك بتأجير عقاره بسعر محدد، وقال إن بعض البلديات حاولت معالجة المسألة من خلال التواصل والتفاهم بين أبناء المنطقة، لكن لا يمكنها قانوناً إلزام مالك شقة بتأجيرها بسعر معين.
وأشار الخنسا إلى وجود تفاوت كبير في الأسعار داخل الغبيري، إذ توجد شقق تُعرض ببدلات تصل إلى ألفي دولار في منطقة بئر حسن مثلاً ، في حين يمكن العثور على شقق أخرى تتراوح إيجاراتها بين 400 و500 دولار داخل بلدة الغبيري، وعزا جانباً من الارتفاع إلى تراجع عدد الوحدات السكنية نتيجة تضرر أو تدمير عدد كبير من الأبنية، مقابل استمرار الطلب المرتفع على الشقق.
ولفت إلى أن عقود الإيجار يفترض تسجيلها لدى البلدية، خصوصاً لغايات المعاملات البلدية، مشيراً إلى أن مصلحة المالك تكمن في التصريح عن المستأجر وتسجيل عقد الإيجار، إذ تنتقل عندها مسؤولية الرسوم البلدية المرتبطة بالإشغال إلى المستأجر، وفق الأصول.
في المقابل، أكد رئيس بلدية برج البراجنة مصطفى حرب أن الوضع في البلدة مختلف نسبياً، موضحاً أن الأهالي يعرفون بدلات الإيجار المعتادة في المنطقة، وأن الأسعار لا تزال ضمن الحدود المقبولة.
وأشار حرب إلى أن بدلات الإيجار لم تشهد ارتفاعاً كبيراً بعد الحرب، وأن الزيادة، في بعض الحالات، لم تتجاوز نحو 50 دولاراً، بفعل العرض والطلب، معتبراً أن الارتفاعات المسجلة لا تزال ضمن نطاق المعقول.
وأوضح أن البلدية يمكنها التحرك عند وجود شكاوى أو مؤشرات إلى ارتفاعات غير مألوفة، إلا أن صلاحياتها تبقى ضمن الأطر القانونية المتاحة لها، لافتاً إلى أن الإيجار في برج البراجنة، لشقة بمواصفات ومساحة معينة، قد يرتفع من نحو 400 إلى 450 دولاراً، من دون أن تكون هناك قفزات كبيرة في الأسعار.
وبينما تتفاوت الصورة بين منطقة وأخرى داخل الضاحية، يبقى ملف الإيجارات أحد أبرز التداعيات الاجتماعية للحرب، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وتضرر المخزون السكني، واستمرار الحاجة إلى استيعاب العائلات النازحة، مقابل غياب آلية قانونية واضحة تتيح للبلديات ضبط سوق الإيجارات أو منع الارتفاعات غير المبررة.




