سلايدات

المنطقة تخلع ثوب المحاور… وإسرائيل أمام عزلة استراتيجية

تتبدّل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة منذ 7 تشرين الأول، مع تراجع منطق المحاور الصلبة الذي حكم المنطقة لسنوات، وصعود شبكات من التحالفات المرنة والمتغيرة التي تُبنى وفق طبيعة التهديد والمصلحة في كل ملف. وفي قلب هذا التحول، تبرز أسئلة إسرائيلية متزايدة حول مستقبل «اتفاقات أبراهام»، بعدما باتت التهديدات المشتركة التي قرّبت إسرائيل سابقاً من عدد من دول المنطقة أقل قدرة على جمعها اليوم.

وبحسب تحليل للبروفيسور إيلي فوده نشرته القناة “N12” الإسرائيلية، فإن «الزلزال» الذي أصاب إسرائيل والمنطقة في أعقاب 7 تشرين الأول لا يزال يطلق ارتداداته، وكان أحدثها توقيع «اتفاق مكة» في 8 آب بين السعودية وباكستان وتركيا، والذي يتضمن، من بين بنوده، اعتبار أي اعتداء على إحدى دول التحالف اعتداءً على الدول الـ3 مجتمعة.

ويرى فوده أن هذا التحالف ليس سوى جزء من شبكة أوسع من أشكال التعاون التي ظهرت في المنطقة منذ 7 تشرين الأول، بما يشير إلى أن الشرق الأوسط لم يعد منقسماً بالصورة التقليدية بين «محور المقاومة»، الذي كان يضم إيران وسوريا وحزب الله والفصائل العراقية والحوثيين في اليمن وحماس، وبين المعسكر العربي السني «المعتدل» الذي ترتبط بعض دوله باتفاقات سلام مع إسرائيل، مثل مصر والأردن، أو بـ«اتفاقات أبراهام»، مثل الإمارات والبحرين والمغرب، إلى جانب دول أبدت استعداداً للتعاون سراً، مثل السعودية وأذربيجان.

وبين هذين المعسكرين، لعبت تركيا وقطر أدواراً متحركة، تارةً في حالة تناغم وتارةً أخرى وسط خلافات ومنافسات.

ويشير التحليل إلى أن التغييرات لم تقتصر على جانب واحد. ففي «محور المقاومة»، خرجت سوريا من المعادلة بعد سقوط بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، فيما بقي المحور، باستثناء سوريا، قائماً رغم الضربات العسكرية التي تلقاها، وإن كان أضعف، وهو يعمل حالياً على إعادة تنظيم نفسه والتسلح من جديد.

أما التحولات الأوسع، فتجري في المعسكرات الأخرى.

وبدأ ذلك مع تأسيس ما سُمّي «مجموعة الثماني»، التي ضمت 8 دول إسلامية هي السعودية ومصر وباكستان والأردن والإمارات وتركيا وإندونيسيا وقطر، وعملت أساساً كمنصة سياسية مرتبطة بالحرب في غزة، بهدف الدفع نحو وقف لإطلاق النار وتقديم مساعدات إنسانية.

وبعد سلسلة هجمات إيرانية استهدفت دولاً خليجية في آذار 2026، بادرت السعودية إلى عقد اجتماع لوزراء خارجية عرب ومسلمين.

وعلى هامش الاجتماع، عُقد لقاء رباعي ضم وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر، وأدى عملياً إلى تشكيل «الرباعية»، المعروفة أيضاً باسم «4R»، لتبدأ بعدها سلسلة من 4 اجتماعات تنسيقية، كان آخرها في القاهرة في حزيران 2026.

وبعد شهرين، وُقع «اتفاق مكة» لكن من دون مشاركة مصر.

ويستند الاتفاق إلى تفاهم سابق جرى توقيعه في أيلول 2025 بين السعودية وباكستان.

ورغم أن الاتفاق فاجأ وسائل الإعلام، كان وزير الدفاع الباكستاني قد قال لوكالة «رويترز» في كانون الثاني 2026 إن اتفاق دفاع ثلاثياً كان قيد البحث منذ 10 أشهر.

ومن وجهة النظر السعودية، يهدف الاتفاق إلى ردع إيران والحوثيين والفصائل في العراق.

كما أن توقيعه في مكة يحمل، بحسب التحليل، دلالة رمزية على رغبة السعودية في أخذ زمام المبادرة، وخصوصاً بعد ما اعتُبر موقفاً دفاعياً وضعيفاً أمام الاعتداءات التي تعرضت لها، رغم امتلاك المملكة جيشاً كبيراً وحديثاً.

لكن على المستوى العملي، يبدو التحالف الثلاثي حتى الآن أقرب إلى إعلان سياسي متقدم، إذ لم تُسجل استجابة باكستانية أو تركية فعلية للهجمات على السعودية، رغم وجود قوة باكستانية قوامها آلاف الجنود على أراضي المملكة.

ومع ذلك، لا يشكل هذا التحالف محوراً واضحاً ومغلقاً، لأن باكستان تحتفظ بعلاقة خاصة مع إيران.

وقبل يوم واحد فقط من توقيع «اتفاق مكة»، وقعت طهران وإسلام آباد اتفاقاً يهدف إلى زيادة التجارة بصورة كبيرة، وتشغيل المعابر الحدودية الـ6، في محاولة للالتفاف على الحصار المفروض على مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية.

كما تلعب باكستان، إلى جانب عُمان، دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، ما يعكس تعقيد التحالفات الإقليمية الجديدة التي نشأت بعد 7 تشرين الأول.

أما مصر، فلم تنضم حتى الآن إلى «اتفاق مكة».

ويعزو التحليل ذلك أولاً إلى اعتبارات مصرية مستقلة تتعلق بإمكان تعارض هذا النوع من التحالفات مع معاهدة السلام مع إسرائيل، إضافة إلى رغبة القاهرة في عدم الإضرار بالعلاقات الخاصة التي طورتها في السنوات الأخيرة مع اليونان وقبرص.

وثانياً، لدى مصر سلّم تهديدات مختلف، يتصدره الحوثيون وإغلاق مضيق باب المندب والضرر الذي يلحق بإيرادات قناة السويس.

وفي ما يتعلق بهذه التهديدات في منطقة البحر الأحمر، توجد بالفعل منظومتان للتعاون.

الأولى تأسست في عام 2020، وتضم السعودية ومصر والأردن والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا واليمن.

أما الثانية، فهي نتيجة مبادرة سعودية أُطلقت في تموز 2026، بعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على المملكة، وتهدف إلى حماية طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

وانضمت إلى هذه المبادرة حتى الآن 14 دولة، من بينها مصر وتركيا وباكستان.

وهكذا، انضمت مصر عملياً إلى الدول الـ3 نفسها، ولكن في سياق تهديد مباشر لها وضمن ائتلاف مختلف.

ومن هذه التطورات المعقدة، يستخلص فوده عدداً من الاتجاهات التي يرى أنها باتت ترسم الشرق الأوسط بعد 7 تشرين الأول.

أولاً، وفي ظل تعدد التهديدات الآتية من ساحات مختلفة، وتفاوت خطورتها من دولة إلى أخرى، باتت دول المنطقة تفضل إقامة تحالفات مرنة، توفر، من وجهة نظر قياداتها، استجابة للتهديد أو على الأقل تخلق مستوى من الردع.

كما أن سياسة ترامب المتقلبة تجاه إيران، إلى جانب ضعف فاعلية مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981 أساساً على خلفية الحرب العراقية – الإيرانية، زادا شعور دول المنطقة بانعدام الأمن ودفعاها إلى اتخاذ خطوات احترازية.

وقد يكون ما يجري، وفق التحليل، بداية مرحلة جديدة من «التحالفات المرنة» التي تتناقض مع الانقسام الثنائي الحاد الذي ميّز المنطقة قبل 7 تشرين الأول.

ثانياً، لم يعد مفهوم «المنطقة» محصوراً بالشرق الأوسط التقليدي، بل بات يشمل البحر المتوسط والبحر الأحمر، ودولاً لا تُصنّف تقليدياً ضمنه، مثل باكستان وأذربيجان ودول القرن الأفريقي.

وهذا ليس جديداً تماماً من الناحية التاريخية، إذ كانت باكستان، على سبيل المثال، عضواً في «حلف بغداد» عام 1955 إلى جانب بريطانيا وإيران والعراق، في مواجهة التهديد السوفياتي والشيوعي.

ثالثاً، استفادت تركيا من أحداث 7 تشرين الأول لتعزيز مكانتها الإقليمية.

فقد تمكنت من تجاوز الانقسام العميق الذي كان قائماً في علاقاتها مع السعودية منذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وكذلك مع مصر منذ دعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جماعة الإخوان المسلمين.

وفي الوقت نفسه، بنت أنقرة لنفسها مواقع نفوذ في سوريا وقطر وغزة، في إطار سعي أردوغان إلى دفع طموحاته الإقليمية الواسعة.

رابعاً، تغيب قطر عن معظم هذه التشكيلات.

ويشير فوده إلى أنه لا يمكن سوى التقدير بأن الدوحة، رغم تعرضها لهجوم من إيران، تشعر بأنها محمية بعد قرار الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2022 تصنيفها حليفاً رئيسياً من خارج حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى قرار ترامب بأن الولايات المتحدة ستعتبر أي هجوم مسلح على قطر تهديداً لأمنها وسلامها.

أما الخلاصة الأهم بالنسبة إلى إسرائيل، فهي أن هذه التطورات تصب في غير مصلحتها.

فبحسب التحليل، تتشكل في المنطقة بنية أمنية وسياسية جديدة لا تُعد إسرائيل جزءاً منها.

وقبل 7 تشرين الأول، كانت إسرائيل، بشكل علني أو سري، جزءاً من معسكر تقوده الولايات المتحدة ويعارض إيران، وشارك في شكل من أشكال التعاون خلال الحرب.

أما اليوم، فتجد إسرائيل نفسها خارج عدد متزايد من الترتيبات الإقليمية، وإن لم ينطبق ذلك بالضرورة على جميع دول المنطقة، مثل الإمارات وأذربيجان وربما دول أخرى.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في منطقة البحر الأحمر، حيث تملك إسرائيل مصالح أمنية واقتصادية مشتركة مع عدد من الدول في مواجهة تهديدات مشتركة، لكنها تبقى خارج جميع هذه التشكيلات.

وبكلمات أخرى، فإن التهديدات المشتركة التي دفعت إسرائيل ودولاً إقليمية سابقاً إلى التقارب لم تعد تؤدي الدور نفسه.

ويستخدم فوده توصيفاً حاداً، معتبراً أن إسرائيل تحولت إلى دولة «منبوذة» نتيجة ما يُنظر إليه على أنه سلوك عنيف ومتسلط تجاه دول في المنطقة، وبصورة خاصة تجاه الفلسطينيين.

وبرأيه، فإن المنطق الذي قامت عليه «اتفاقات أبراهام»، أي إمكانية تحقيق تقدم سياسي إقليمي من دون حل القضية الفلسطينية، لم يعد صالحاً بالشكل الذي كان عليه سابقاً.

لكن التحليل يترك هامشاً للتغيير، إذ يشير إلى أن التاريخ يثبت أن التحالفات والائتلافات في الشرق الأوسط الأوسع تتغير بوتيرة أسرع بكثير من مناطق أخرى في العالم.

فالتعاون الإسرائيلي السابق مع إيران حتى عام 1979، ومع تركيا في مواجهة أعداء مشتركين، أفسح المجال لاحقاً أمام اتفاقات سلام وتطبيع مع خصوم سابقين.

ومن هنا، يخلص فوده إلى أن أي حكومة إسرائيلية تصل إلى السلطة بعد الانتخابات المقبلة ستكون مطالبة باستيعاب الدروس السياسية لأحداث 7 تشرين الأول وإجراء مراجعة في سياستها الإقليمية.

والبروفيسور إيلي فوده أستاذ في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية، وعضو في اللجنة التنفيذية لـ«ميتافيم»، وعضو في «الائتلاف من أجل الأمن الإقليمي».

وإذا كان الشرق الأوسط الجديد يتجه فعلاً نحو تحالفات مؤقتة ومرنة بدلاً من المحاور الثابتة، فإن التحدي الأكبر لإسرائيل لن يكون فقط معرفة من يقف مع من، بل منع تشكل منظومة إقليمية واسعة تتعاون في ما بينها بينما تبقى هي خارجها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى