
في الذكرى الـ47 لتغييب الإمام موسى الصدر، لم يكن خطاب رئيس مجلس النواب نبيه بري مجرد كلمة وفاء بالمناسبة، بل بدا، في توقيته ومضمونه ونبرته، محمّلًا بسلسلة من الرسائل السياسية، خصوصًا في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، والمفاوضات، والقرار اللبناني، والجيش والمؤسسات الأمنية، فضلًا عن رفض التقسيم والفدرالية والتمسك باتفاق الطائف والوحدة الوطنية.
خطاب مقتضب، لكنه رسم مجموعة من الخطوط الحمر، من رفض المسّ بالوحدة الوطنية، إلى التمسك بالدولة ومؤسساتها، ورفض الاحتلال الإسرائيلي، والتشديد على المسار الديمقراطي في معالجة الخلافات الداخلية، إضافة إلى التوقف عند ملف المفاوضات والاتفاق الإطاري والجهود الرامية إلى خفض التصعيد.
لكن الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة قرأ الخطاب من زاوية مختلفة، متوقفًا عند ما لم يقله بري بقدر ما توقف عند ما قاله، معتبرًا أن ثمة إشارات تستحق التوقف عندها في علاقة رئيس المجلس بخيارات حزب الله، ولا سيما أن الحزب، بحسب قراءته، حضر في الخطاب بصورة شبه غائبة.
“حزب الله” الغائب الحاضر
يرى حمادة أن اللافت في خطاب بري هو عدم ذهابه إلى النبرة التي اعتادها خطاب حزب الله عند الحديث عن الحرب والمقاومة والشهداء، فعندما تطرق بري إلى الشهداء، وضع شهداء الجيش والمؤسسات الأمنية في المقدمة، ثم تحدث عن مختلف الفئات، قبل أن يصل في نهاية المطاف إلى المقاومين، ومن دون الدخول في المديح السياسي أو العسكري الذي غالبًا ما يرافق خطاب الحزب.
وبحسب حمادة، لا يعني ذلك أن بري دخل في مواجهة مع حزب الله أو أعلن القطيعة معه، بل إن الرسالة، في قراءته، أكثر دقة: “بري لا يعلن نفسه خصمًا للحزب، لكنه لا يبدو مستعدًا لملاحقة خياراته إلى النهاية”.
ويستند حمادة إلى مجموعة من المواقف التي يرى أنها تعزز هذه القراءة، خصوصًا تمسك بري بالجيش والمؤسسات الأمنية، ورفضه الاحتكام إلى الشارع، وتمسكه بالمسار الديمقراطي، في مقابل خطاب تصعيدي صدر عن حزب الله في مواجهة الحكومة ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
ويرى أن بري، على الرغم من كونه جزءًا أساسيًا من الثنائي الشيعي، لم يذهب في خطابه إلى تبني لغة التصعيد أو التهديد، بل شدد على السلم الأهلي والوحدة الوطنية واتفاق الطائف ورفض مشاريع التقسيم والفدرالية.
الجيش أولًا… ولكن ماذا عن السلاح؟
غير أن حمادة يسجل في المقابل نقطة ضعف أساسية في الخطاب: الحديث عن الدولة ومؤسساتها لم يصل إلى جوهر إشكالية السلاح.
فبري، بحسب القراءة نفسها، أعطى الجيش والمؤسسات الأمنية موقعًا متقدمًا، وتحدث عن الدولة، والاحتلال الإسرائيلي، وتطبيق القرار 1701، لكنه لم يقدم إجابة واضحة عن كيفية معالجة مسألة سلاح حزب الله أو حصر السلاح بيد الدولة.
وهنا يطرح حمادة السؤال الأهم: إذا كان الرهان على الدولة والجيش والمؤسسات، فكيف يمكن ترجمة هذا الرهان سياسيًا وعمليًا في ظل استمرار ازدواجية السلاح؟
ويعتبر أن الخطاب ذهب بعيدًا في الحديث عن الاحتلال الإسرائيلي والقرار 1701 ورفض المناطق المحتلة، لكنه لم يذهب بالقدر نفسه إلى الحديث عن السلاح، مع أن معالجة هذه المسألة تشكل، في رأيه، جزءًا أساسيًا من أي بحث جدي في مستقبل الدولة اللبنانية.
لا مواجهة مع الحزب… ولا ملاحقة لخياراته
في قراءة حمادة، لا يمكن وصف موقف بري بأنه مواجهة مع حزب الله، كما لا يمكن اعتباره تبنيًا كاملًا لخياراته. بل إن المسألة أقرب إلى رسم مسافة سياسية: ” أنا لست ضدكم، لكنني لست ذاهبًا خلفكم أينما ذهبتم”.
ويشير إلى أن بري لم يتبنَّ خطاب إدانة لحربي الإسناد، ولم يذهب إلى مهاجمة الحزب، لكنه في الوقت نفسه لم يمنحه في خطابه الغطاء السياسي نفسه الذي اعتاد الحزب الحصول عليه في مناسبات سابقة.
ويرى حمادة أن هذه المسافة تظهر أيضًا في مقاربة بري للعلاقة مع إيران، إذ لم يتوسع في الإشادة بالدور الإيراني أو في تقديم إيران باعتبارها جزءًا من معادلة القرار اللبناني، بل تحدث عن جهود خفض التوتر، والدور العربي، والتقارب بين إيران وجيرانها العرب، بما يوحي، وفق قراءته، بأنه يتعامل مع الملف الإيراني من زاوية دبلوماسية أكثر منه من زاوية اصطفاف سياسي.
بري والرهان على الدولة… لكن بأي دولة؟
ويصل حمادة إلى السؤال الأكثر تعقيدًا في الخطاب: إذا كان المطلوب الحفاظ على اتفاق الطائف والوحدة الوطنية ورفض التقسيم، وتعزيز الجيش والمؤسسات، وإجراء الإصلاحات، فأي دولة قادرة على تنفيذ كل ذلك؟
فالإصلاحات، بحسب هذه القراءة، لا يمكن أن تنجح من دون مرجعية واحدة وقرار سيادي واحد، فيما لا تزال مسألة السلاح خارج إطار الدولة من أكثر الملفات حساسية في المعادلة اللبنانية.
ومن هنا، يرى حمادة أن خطاب بري يحمل تناقضًا أو على الأقل فجوة بين التشديد على الدولة ومؤسساتها وبين عدم تقديم تصور واضح لمعالجة أحد أبرز العوائق أمام قيام دولة مكتملة الصلاحيات.
ويخلص إلى أن بري يبدو في هذه المرحلة حريصًا على منع الانفجار الداخلي، وعلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الجميع، وعلى عدم الانجرار إلى مواجهة مع حزب الله أو إيران، لكنه في الوقت نفسه يرسل إشارات بأنه لا يريد أن يكون تابعًا لكل خياراتهما.




