
لم تنتهِ معركة علي الطاهر عند حدود التلة والأنفاق التي تقول إسرائيل إنها فرضت عليها “سيطرة عملياتية”. فبعد تثبيت الواقع الميداني، انتقلت المعركة إلى المجال النفسي، حيث بدأت وسائل إعلام إسرائيلية استخدام الموقع لضرب صورة “حزب الله” أمام بيئته والداخل اللبناني، والترويج لفكرة أن ما جرى كشف فشلاً عسكرياً وسياسياً وإيرانياً في آن واحد.
وفي هذا السياق، نشرت القناة 14 الإسرائيلية مقالاً بعنوان “تلة واحدة و3 إخفاقات: في لبنان ينعون خسارة علي الطاهر”، اعتبر فيه الكاتب إيدي كوهين أن الحزب فشل أولاً في الاحتفاظ بموقع قدّمه طوال أسابيع بوصفه حصناً أساسياً، وفشل ثانياً في تسليمه إلى الجيش اللبناني كبديل سيادي، فيما تمثل الإخفاق الثالث، وفق روايته، في عدم ترجمة التهديدات الإيرانية إلى تدخل يمنع التقدم الإسرائيلي.
ويستند المقال إلى الفارق بين موقف الحزب في حزيران، حين نفى وجود قوات إسرائيلية فوق التلة، وبين صمته بعد إعلان إسرائيل في 3 أيلول فرض “السيطرة العملياتية” عليها وتدمير منشآت تحت الأرض. لكن الصمت وحده لا يكفي لإثبات الرواية الإسرائيلية الكاملة، ولا يحسم حجم السيطرة الفعلية على شبكة الأنفاق أو المداخل الشمالية للموقع.
الأخطر في المادة ليس ما تقوله عن الماضي، بل ما تحاول رسمه للمستقبل. فهي تقدّم علي الطاهر باعتبارها خط الدفاع الثاني بعد جنوب الليطاني، وتضع بعدها إقليم التفاح وجبل الريحان والبقاع الغربي في سياق واحد، بما يوحي بأن الضغط الإسرائيلي قد ينتقل تدريجياً نحو مناطق أعمق.
كما تروّج القناة لرواية مفادها أن الحزب أخلى التلة بـ”ضوء أخضر إيراني”، بدلاً من تسليمها إلى الجيش اللبناني. إلا أن المقال لا يقدم دليلاً مستقلاً على صدور قرار إيراني بالإخلاء، بل يبني استنتاجه على غياب رد عسكري واسع بعد إعلان السيطرة الإسرائيلية.
ويظهر البعد الدعائي بوضوح في اعتماد الكاتب على مقالات ومنشورات ساخرة لبنانية لتقديمها كأنها تعكس موقفاً عاماً داخل لبنان. ويستخدم هذا المحتوى لإثبات انهيار صورة الحزب، من دون استطلاع أو معطيات تسمح بقياس موقف بيئته أو الرأي العام اللبناني.
ومع ذلك، يلتقط المقال نقطة سياسية حساسة يصعب تجاهلها: الحزب رفض طوال مرحلة التفاوض تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني من دون انسحاب إسرائيلي مقابل، لكنه لم ينجح في منع إسرائيل من تغيير الواقع الميداني حوله. وهذه المفارقة تمنح خصومه مادة لمساءلته عن نتيجة الاحتفاظ بالسلاح والمواقع خارج سلطة الدولة.
هكذا تتحول علي الطاهر من موقع عسكري إلى أداة في معركة الروايات. فإسرائيل تريد تثبيت صورة حزب يتراجع وإيران تتخلى عن حلفائها، فيما يحاول الحزب تجنب الاعتراف بخسارة نهائية لموقع لم تُحسم بعد كل تفاصيله الميدانية.
وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: الجيش اللبناني لم يتسلّم التلة، وإسرائيل وسعت قدرتها على مراقبة النبطية ومحيطها، فيما يدفع لبنان ثمن صراع لم يتمكن حتى الآن من فرض شروطه عليه.




