سلايدات

لا قدرة على زيادة الرواتب…والتضخم بلغ 20 % في لبنان وثورة جديدة على الأبواب!

في وقت تتواصل فيه الحروب والتوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة حول العالم، تتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار النفط والغاز والشحن والمواد الأولية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات في مختلف الدول، ومنها لبنان الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، لكن في لبنان فان وقع التضخم اشد وقعاً لا سيما ان نسبة اسبابه الداخلية تصل الى 14 % تقريباً .

وفي هذا السياق، يشرح رئيس تجمّع الشركات اللبنانية والخبير الاقتصادي الدكتور باسم البواب، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، طبيعة التضخم الذي يشهده لبنان، محذراً من خطورة اجتماع ارتفاع الأسعار مع الانكماش الاقتصادي، وما يمكن أن ينتج عنه من تداعيات اجتماعية واقتصادية.

البواب: لدينا تضخم مستورد وآخر ناتج من الداخل

ويعتبر البواب أن جزءاً كبيراً من التضخم الذي يشهده لبنان مرتبط بشكل مباشر بما يجري في الخارج، قائلاً: “من الطبيعي أن نشهد تضخماً في ظل الحروب التي تحصل في المنطقة والعالم، وارتفاع أسعار النفط والشحن والموارد والمواد الأولية. كما أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية تؤثر وتضغط على أسعار النفط والغاز وعلى مختلف المواد، ونحن أمام حربين كبيرتين في العالم، ولا نعرف حتى الآن كيف ستنتهيان، وما إذا كانتا ستتوسعان أو تنحسرا ومتى”.

ويشير إلى أن لبنان يواجه ما يُعرف بـ”التضخم المستورد” (Imported Inflation)، أي التضخم الذي ينتقل إلى الاقتصاد المحلي نتيجة ارتفاع كلفة السلع والمواد المستوردة، إلا أن المشكلة، برأيه، لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يوجد أيضاً تضخم ناتج من الداخل.

ويقول البواب إن “التضخم الخارجي موجود، وقد يكون بحدود 5 إلى 6 في المئة، لكن التضخم من بداية السنة وحتى الآن، وبحسب أرقام إدارة الإحصاء المركزي خلال الأشهر الثمانية، بلغ نحو 20 في المئة، وهذا رقم مرتفع جداً”.

ويلفت إلى أن جزءاً من هذا التضخم مستورد، ويقدّر أن نحو 65 في المئة منه مرتبط بالعوامل الخارجية، “لكن هناك أيضاً تضخم داخلي بحدود 14 في المئة، وهذا التضخم ناتج في جزء كبير منه عن سياسات الحكومة، ولا سيما الضرائب والرسوم الجديدة”.

ويضيف: “عندما يتم فرض ضرائب جديدة، سواء كانت مرتبطة بالبيئة أو بغيرها، أو عندما يتم وضع أربعة دولارات كضريبة على البنزين، فإن هذه الإجراءات تزيد التضخم في البلد وترفع الكلفة على الشركات والأفراد في آن واحد”.

تضخم قد يصل إلى 25%… وتراجع كبير في القدرة الشرائية

ويحذّر البواب من أن استمرار هذا المسار ستكون له انعكاسات خطيرة على القدرة الشرائية، خصوصاً إذا وصل معدل التضخم إلى مستويات مرتفعة جداً خلال عام واحد.

ويقول: “إذا وصلنا في نهاية السنة إلى تضخم بحدود 25 في المئة، فهذا رقم مرتفع جداً ولا يستطيع الاقتصاد والمواطن تحمله،عندما يكون التضخم بمستويات من خانتين، ويصل إلى 20 أو 25 في المئة، فهذا يعني عملياً أن القيمة الشرائية لراتب أي شخص أو لدخله تكون قد تراجعت بنسبة كبيرة”.

ويشرح ذلك بالقول: “الشخص الذي كان يتقاضى ألف دولار، يصبح وكأنه يتقاضى 750 دولاراً من حيث القوة الشرائية، ومن كان يتقاضى ألفي دولار يصبح وكأنه يتقاضى 1500 دولار، ومن كان دخله خمسة آلاف دولار يصبح وكأنه يتقاضى نحو 3750 دولاراً”.

ويعتبر أن “هذا الأمر سيئ وخطير جداً، لأن التضخم المرتفع لا ينعكس فقط على الأسعار، بل يضرب القدرة الشرائية للمواطن ويزيد من كلفة المعيشة والإنتاج في الوقت نفسه”.

الخطر الأكبر: الركود التضخمي

لكن البواب يرى أن المشكلة لا تتوقف عند التضخم، إذ إن لبنان يواجه في الوقت نفسه انكماشاً اقتصادياً، ما يضعه أمام ما يعرف بـ”الركود التضخمي” أو Stagflation.

ويقول: “الأخطر من التضخم المرتفع هو أن لدينا أيضاً انكماشاً اقتصادياً. وبحسب مختلف الإحصاءات، هناك انكماش بحدود 7 في المئة هذه السنة، وعندما يجتمع الانكماش الاقتصادي مع التضخم المرتفع نكون أمام وضع خطير يسمى الركود التضخمي”.

وبرأيه، فإن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة، “وقد يولّد مشاكل كثيرة، وربما احتجاجات وتظاهرات، لأن الناس في نهاية المطاف لا تستطيع تحمل ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتها الشرائية في الوقت نفسه”.

على الحكومة أن تخفف الضرائب لا أن تزيدها

وفي مواجهة هذه الظروف، يرى البواب أن المطلوب من الحكومة اتخاذ إجراءات تخفف الضغط عن المواطنين والشركات، بدلاً من زيادة الأعباء الضريبية والرسوم.

ويقول: “اليوم المطلوب من الحكومة أن توقف زيادة الضرائب، بل بالعكس، يجب أن تخفّض الضرائب، نحن أمام موازنة جديدة، ومع ذلك هناك حديث عن ضرائب ورسوم جديدة، حتى البلديات ضاعفت ضرائبها وهذا الأمر غير مقبول في وضع اقتصادي يعاني أصلاً من التضخم والانكماش””.

ويضيف: “حتى ضريبة البنزين يجب إعادة النظر فيها، لأن تخفيفها يمكن أن يعطي الناس بعضاً من القدرة على التنفس، ويخفف من كلفة النقل والإنتاج، وبالتالي يخفف جزءاً من الضغط التضخمي”.

ويؤكد البواب أن لبنان لا يستطيع التحكم بالعوامل الخارجية، قائلاً: “هناك أشياء تأتي من الخارج ولا نستطيع التحكم بها، مثل أسعار النفط والحروب وأسعار الشحن والمواد الأولية، لكن هناك أشياء داخلية نستطيع التحكم بها، ولذلك يجب على الأقل أن نخفف الأعباء التي نستطيع التحكم بها”.

توسيع قاعدة التحصيل بدلاً من زيادة الأعباء على الملتزمين

وفي المقابل، يدعو البواب إلى توسيع قاعدة التحصيل الضريبي بدلاً من الاستمرار في تحميل الأعباء نفسها للمواطنين والشركات التي تدفع الضرائب أصلاً.

ويقول: “بدلاً من زيادة الضرائب والرسوم على الناس، يجب أن نوسع قاعدة الضرائب وأن نحصّل من الجهات والأشخاص الذين لم نكن نحصل منهم شيئاً في السابق”.

ويشير إلى وجود قطاعات ومناطق وأشخاص وشركات وأملاك عامة وبحرية، بحسب تعبيره، يمكن أن تشكل مصادر إيرادات للدولة إذا جرى تنظيمها وتحصيل المستحقات منها، مضيفاً أن هناك “أراضي للدولة مستباحة من دون أي مردود”.

كما يطرح مسألة بعض المهن والأنشطة التي، بحسب رأيه، لا يتم تحصيل الضرائب منها بالشكل الكافي، قائلاً إن هناك “يداً عاملة حرة ومهن وأعمالاً تحقق مداخيل كبيرة، فيما لا تحصل الدولة منها فعلياً على ما يجب أن تحصل عليه”.

ويتطرق كذلك إلى العمال السوريين او مصريين الموجودين في لبنان، معتبراً أن الدولة يجب أن تنظم عملية التحصيل منهم، مشيراً إلى أن “هناك أموالاً كبيرة يتم تحريكها، ولا تحصل الدولة على شيء كافٍ منها”.

ويختم البواب بالتأكيد أن معالجة الأزمة لا تكون بزيادة الأعباء على شريحة محددة من اللبنانيين، بل بتوسيع قاعدة التحصيل وتنظيم الإيرادات، لأن استمرار النهج الحالي، برأيه، يعني أن “الدولة ستبقى أمام عجز وخسائر ومشاكل متراكمة”.

لا قدرة للقطاع الخاص

ويؤكد البواب أن القطاع الخاص اليوم لا يملك القدرة على تحسين الرواتب، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، مشيراً إلى أن الاقتصاد يشهد انكماشاً، وأن عدداً كبيراً من الشركات يواجه صعوبات متزايدة، وصولاً إلى تقليص حجم أعماله أو إقفاله، ما يشكل خطراً على الاقتصاد ككل.

ويلفت إلى أن معدلات التضخم المرتفعة، إلى جانب ارتفاع كلفة المصاريف التشغيلية والإيجارات وسائر الأعباء، تجعل الشركات غير قادرة في المرحلة الراهنة على تحمّل أي زيادات إضافية في الرواتب.

ويقرّ البواب في الوقت نفسه بأن الموظفين في القطاع الخاص يعانون من ضغوط معيشية كبيرة، وأن الأعباء الملقاة على عاتقهم ازدادت بشكل ملحوظ، مؤكداً تفهّم هذه المطالب وحق العاملين في تحسين أوضاعهم، إلا أنه يرى أن الظروف الحالية لا تسمح للشركات بإقرار زيادات في الرواتب، بانتظار تحسّن المؤشرات الاقتصادية وعودة الحركة إلى القطاعات الإنتاجية.

ويضيف أن أي تحسّن في الوضع الاقتصادي، بالتوازي مع وقف الحرب واستقرار الأوضاع، قد يفتح المجال أمام إعادة النظر في مسألة زيادة الرواتب وتحسينها.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن الهيئات الاقتصادية ترفض في المرحلة الحالية إقرار أي زيادات جديدة، وتفضّل تأجيل البحث فيها إلى بداية العام المقبل، ريثما تتضح صورة المؤشرات السياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية، إضافة إلى تطورات أسعار النفط والغاز وسائر العوامل المؤثرة في الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى