
بعد أكثر من 26 عامًا أمضاها في المكان نفسه خارج أحد مراكز أبحاث ناسا في كاليفورنيا، اختفت فجأة آخر طائرة SR-71A “بلاكبيرد” من موقع عرضها المفتوح، لتظهر صور الأقمار الصناعية أنها نُقلت إلى حظيرة مغلقة، في توقيت يتزامن مع تلميحات من مدير وكالة ناسا جاريد إيزاكمان إلى مشروع لطائرة تجريبية جديدة تشبه في ملامحها الطائرة الأسطورية.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع “mako” الإسرائيلي، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة، نشر تفاصيلها موقع “Aviation Week”، أن طائرة SR-71A التي تحمل رقم الذيل NASA 844 اختفت من الساحة الخارجية لمركز أرمسترونغ لأبحاث الطيران في قاعدة إدواردز الجوية بولاية كاليفورنيا، بعدما بقيت في الموقع نفسه لأكثر من 26 عامًا.
ولم تعد الطائرة ظاهرة في صور الأقمار الصناعية منذ 17 أيار، فيما أفادت مصادر أميركية بأنها نُقلت إلى حظيرة مغلقة لإجراء فحوص شاملة. إلا أن توقيت الخطوة أثار تساؤلات إضافية، خصوصًا في ضوء التحركات الأخيرة داخل ناسا.
وخلال مؤتمر “All-In Summit” في لوس أنجلوس، عرض مدير ناسا جاريد إيزاكمان شريحة تضمنت ظلًا لطائرة يشبه بصورة واضحة تصميم SR-71، بالتزامن مع حديثه عن إعادة بناء أسطول طائرات “X” التجريبية التابعة للوكالة.
وقال إيزاكمان إن ناسا تعمل للعودة إلى التحليق “أعلى وأسرع مما حلقنا خلال العقود الماضية”، في إشارة إلى توجه جديد نحو برامج الطيران التجريبي عالي السرعة والارتفاع. وعندما سُئل في مقابلة عن صورة الطائرة الغامضة، أجاب مبتسمًا: “هل أنتم متأكدون أن هذه بلاكبيرد؟”.
وتكتسب الطائرة NASA 844 أهمية خاصة، إذ إنها ليست مجرد قطعة عرض تقليدية. فهي آخر طائرة SR-71A خرجت من خط الإنتاج، كما أنها آخر طائرة من عائلة “بلاكبيرد” حلقت في الجو.
وجرت رحلتها الأخيرة في 9 تشرين الأول 1999، بعدما استخدمتها ناسا خلال فترة خدمتها كمختبر طائر للبحوث، وكانت قادرة على التحليق على ارتفاع 85 ألف قدم وبسرعة تتجاوز 3.2 ماخ.
لكن المعطى الأكثر إثارة ظهر في تقارير “Aviation Week”، التي أفادت بأن ناسا تواصلت أخيرًا، وبعيدًا عن الأضواء، مع طيارين وأفراد سابقين من الطواقم الأرضية الذين عملوا على SR-71A، طالبةً منهم المساعدة في محاولة لإعادة الطائرة إلى حالة تسمح لها بالطيران.
ونشرت المجلة اليوم تفاصيل إضافية، قالت فيها إن عددًا من العاملين السابقين في برنامج “بلاكبيرد” تلقوا عروضًا للمشاركة في مشروع يهدف إلى إعادة الطائرة رقم 844 إلى الجو للمرة الأولى منذ نحو 27 عامًا.
وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإن نقل الطائرة من موقع العرض الخارجي إلى حظيرة مغلقة قد يكون جزءًا من برنامج “عودة إلى الطيران”، بعد أكثر من ربع قرن على خروجها من الخدمة.
غير أن إعادة SR-71 إلى الجو ليست مهمة بسيطة.
فمحركات J58 التي تشغل الطائرة تعتمد على وقود خاص من نوع JP-7، لم يعد يُنتج اليوم بصورة منتظمة، كما أن تشغيل “بلاكبيرد” كان يحتاج إلى منظومة مخصصة من طائرات التزود بالوقود المعدلة، فضلًا عن بنية صيانة وتشغيل جرى تفكيك معظمها منذ سنوات.
وهنا تبرز سيناريوهات أخرى.
فقد لا تكون ناسا تخطط أصلًا لإعادة الطائرة القديمة إلى الطيران، إذ يرى بعض المحللين أن هيكل SR-71 يمكن أن يستخدم كمنصة هندسية أو نموذج لاختبارات هيكلية مرتبطة بتطوير جيل جديد من طائرات “X” فائقة السرعة.
ويكتسب هذا الاحتمال وزنًا إضافيًا بعدما ربط إيزاكمان بصورة مباشرة بين إعادة بناء أسطول طائرات “X” وبين هدف التحليق على ارتفاعات وسرعات أعلى، فيما ظهرت في عرضه صورة لطائرة ذات شكل قريب بشدة من “بلاكبيرد”.
ويبقى هناك أيضًا تفسير أقل إثارة، يتمثل في أن نقل الطائرة قد يكون لأعمال صيانة وحفظ روتينية، بينها مكافحة التآكل وفحص الهيكل بعد سنوات طويلة من بقائه في الخارج.
وحتى الآن، لم تكشف ناسا رسميًا ما الذي يجري داخل الحظيرة التي نُقلت إليها الطائرة 844، ولم تعلن خطة واضحة بشأن مصيرها.
لكن اجتماع 3 مؤشرات في توقيت واحد، اختفاء “بلاكبيرد” من موقعها بعد 26 عامًا، والتواصل مع أفراد سابقين من طواقمها، ثم تلميحات مدير ناسا إلى جيل جديد من الطائرات السريعة وعالية الارتفاع، يجعل انتقال الطائرة إلى الحظيرة أكثر من مجرد حركة عادية، ويضع واحدة من أشهر طائرات التجسس في التاريخ مجددًا وسط لغز لم تكشف ناسا تفاصيله بعد.




