
بعد 3 سنوات على اندلاع أطول حرب في تاريخ إسرائيل، يعرض الجيش الإسرائيلي سلسلة تغييرات عميقة طاولت الاستخبارات وسلاح الجو والقيادة الجنوبية ومنظومة الدفاع، في محاولة لاستخلاص دروس 7 تشرين الأول وتفادي تكرار الإخفاق، لكن صورة مقلقة تبقى في الخلفية: حماس لا تزال قائمة في غزة، وحزب الله لا يزال قادراً على إنتاج تهديدات من لبنان، فيما تقترب منظومة الاحتياط من نقطة إنهاك خطيرة قد تتحول إلى أزمة ثقة داخل الجيش.
وبحسب تقرير للصحافي إليشا بن كيمون في صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي اليوم ليس الجيش نفسه الذي كان قائماً صباح 7 تشرين الأول، إذ أدت 3 سنوات من الحرب إلى تغييرات واسعة في منظومات عدة، بينها شعبة الاستخبارات وسلاح الجو، لكن رغم ما يصفه الجيش بإنجازات دراماتيكية، لم يتم حتى الآن حسم أي من التنظيمات التي قاتلها بصورة نهائية.
وبحسب التقرير، لا تزال حماس في الجنوب وحزب الله في الشمال قائمين وقادرين على تشكيل تهديدات لإسرائيل.
وكانت شعبة الاستخبارات “أمان”، بوصفها الجهاز الذي أخفق في التحذير من الهجوم، الأكثر تعرضاً للصدمة صباح 7 تشرين الأول.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، نُفذت داخل الشعبة سلسلة تغييرات بنيوية وثقافية تهدف إلى منع تكرار الجمود الفكري نفسه.
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه اعتمد نهجاً يقوم على “الشك الذاتي المنهجي” والنقد اليومي، بهدف التقاط ما يصفه بـ”إشارات من الواقع”، أي معلومات جزئية لا تتناسب مع التوقعات التقليدية، مع منح مساحة أكبر لآراء الأقلية داخل المنظومة الاستخبارية.
كما جرى تقليص الاعتماد على ما يسمى “الإشارات المطمئنة”، مقابل زيادة الوزن الممنوح لـ”الإشارات الدالة” الموضوعية المرتبطة باستعدادات الخصم ونواياه، بهدف خلق لغة مشتركة بين جهات جمع المعلومات والبحث والمستوى العملياتي.
وإلى جانب ذلك، أُنشئت غرفة عمليات استخبارية وإنذارية متعددة الجبهات لتكوين صورة موحدة ومتصلة بالميدان، حملت اسم “تموناه”.
ويشير التقرير إلى أن شعبة الاستخبارات، التي ترسخت فيها بحسب الرواية الإسرائيلية ثقافة من الغرور استغلتها حماس صباح الهجوم، لن تُختبر فعلياً إلا في التحذير المقبل وطريقة تقديمه.
ولضمان ترسيخ التغييرات داخل الشعبة، أُنشئت وحدات تنظيمية جديدة، بينها قسم للاستخبارات الأساسية، وقسم مركزي للتدريب، كما جرى توسيع “المدرسة” المخصصة لتأهيل قادة الاستخبارات من رتبة رائد حتى عقيد، إضافة إلى توسيع دراسة وبحث الإسلام والثقافة العربية.
وفي الوقت نفسه، تستكمل شعبة الاستخبارات انتقالاً استراتيجياً إلى النقب، وأنشأت وحدة تكنولوجية جديدة لجمع ومعالجة المعلومات غير المنظمة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات البيانات المتقدمة.
أما في الجنوب، فترجمت قيادة المنطقة الجنوبية دروس 7 تشرين الأول إلى تغييرات هندسية وعملياتية وتكتيكية على الأرض.
وخلال القتال، يقول الجيش إنه قتل 4 رؤساء أذرع و17 قائد لواء ونحو 60 قائد كتيبة ونحو 300 قائد سرية في حماس.
وفي إطار إعادة تنظيم منظومة الدفاع عن بلدات غلاف غزة، جرى تعزيز وسائل الحماية ونشر أسوار جديدة وإضاءة ومواقع مراقبة ورادارات، إلى جانب تزويد فرق الحراسة المحلية بالأسلحة والسترات الواقية والطائرات المسيّرة وتطبيق “نيتس” لنقل المعلومات المشفرة.
كما وُضعت سيارات إسعاف مدرعة في مواقع جاهزية، وجرى توسيع نطاق التدريبات ضمن برنامج “درع 46” إلى 8 تدريبات معقدة سنوياً.
وأُنشئت أيضاً مقرات لتعزيز الوجود العسكري في المنطقة، إلى جانب نحو 40 موقعاً عسكرياً مسيطراً جديداً.
وبهدف إنشاء استمرارية دفاعية وهجومية، نشر الجيش عائقاً مادياً وتكنولوجياً جديداً فوق الأرض وتحتها، بهدف تقليص قدرة الخصم على التسلل.
كما يشمل النشاط الميداني عمليات تمشيط وتدمير لمئات المواقع والبنى المسلحة وحفر الإطلاق ومستودعات الأسلحة.
ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، نُفذت أكثر من 4000 عملية حفر منهجية للبحث عن بنى تحت الأرض.
لكن رغم ذلك، يشير التقرير إلى أن حماس لا تزال قائمة، وتستفيد من الأموال التي تجبيها من شاحنات المساعدات التي تسيطر عليها، ما يساعدها على الحفاظ على قدرتها على الحكم.
وتقدّر إسرائيل أن حماس، التي لا تزال تحتفظ بالسلاح، تستغل الوقت لتجميع القوى والأسلحة، بما في ذلك نقل وسائل قتالية إلى مناطق مدنية، انطلاقاً من تقدير أن إسرائيل ستكون مقيدة حتى الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، وأنها لن تحصل على ضوء أخضر لعملية واسعة داخل القطاع.
أما سلاح الجو، الذي تعرض لانتقادات شديدة بسبب غيابه عن الساعات الأولى للهجوم، فأجرى هو الآخر تغييرات عميقة.
وعدّل السلاح نموذجه العملياتي لمواجهة تهديدات متعددة الجبهات، مع نقل صلاحيات إضافية إلى المستويات الميدانية، وزيادة عدد القوات الموجودة في حالة الجاهزية الفورية حتى 4 أضعاف على المستوى العام وحتى 6 أضعاف في بعض الوحدات.
ولتعزيز التنسيق مع القوات البرية، أُنشئت مجموعة تحت اسم “الحدود والمشاركة”، إلى جانب إعداد بنوك أهداف وتنفيذ تدريبات مشتركة.
وفي إطار إعادة توزيع القوات، نُقلت السرب 190 للمروحيات الهجومية “ماغاع هكيسم” إلى قاعدة رمات دافيد بهدف تقليص زمن الاستجابة في الجبهة الشمالية.
وفي مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، نُشرت مئات وسائل الكشف والرادارات الجديدة، وأُنشئت وحدات حماية مخصصة داخل القيادات العسكرية.
كما أُنشئت كتائب دفاع مخصصة في قواعد سلاح الجو، إلى جانب وحدة “أراد” التابعة للجناح 7، وهي وحدة قتالية مخصصة للتدخل السريع ضد التهديدات البرية والجوية التي تستهدف منشآت السلاح.
ولضمان إدخال الدروس ضمن خطط العمل، أُنشئت مديرية خاصة برئاسة ضابط احتياط برتبة عميد كان عضواً في فريق التحقيق القيادي.
وعكست الحرب متعددة الجبهات حجم النيران غير المسبوق الذي أُطلق باتجاه إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية.
فوفق المعطيات الواردة في التقرير، أُطلق نحو 10200 مقذوف من قطاع غزة، ونحو 20000 من لبنان، ونحو 1200 من إيران، ونحو 50 من سوريا، إضافة إلى نحو 90 عملية إطلاق من اليمن.
وفي هذه الحرب، تحملت منظومة الاحتياط ثمناً باهظاً، إذ إن نحو 70% من القتلى سقطوا في ظروف عملياتية، فيما احتاج نحو 65000 من جنود الاحتياط المصابين إلى علاج، وعاد منهم نحو 28000 إلى الخدمة الفعلية.
وفي الضفة الغربية، قال الجيش إنه ضبط منذ بداية الحرب أكثر من 3800 قطعة سلاح، واعتقل نحو 45000 مطلوب، بينهم تجار وحائزو أسلحة ومسلحون كانوا يخططون لتنفيذ هجمات بشكل فوري وناشطون آخرون.
كما تمت مصادرة أكثر من 46 مليون شيكل قال الجيش إنها كانت مخصصة لأنشطة مسلحة.
لكن أكثر الملفات حساسية يبقى منظومة الاحتياط.
فقرار الجيش الدفاع عن حدود إسرائيل من عمق أراضي الخصم وليس فقط من الخط الحدودي نفسه يفرض، بحسب التقرير، أثماناً ثقيلة ويضع منظومة الاحتياط على حافة الانهيار.
ورغم التحذيرات المتكررة من كبار المسؤولين الأمنيين، يتهم التقرير الحكومة وصناع القرار بتجاهل الأزمة والامتناع عن دفع قانون تجنيد فعلي يوسع قاعدة المقاتلين.
ويصف التقرير ذلك بأنه إخفاق قيادي يدفع منظومة الاحتياط نحو انهيار جسدي ونفسي، مع شكوك كبيرة في قدرتها على مواصلة تحمل العبء بالشكل الحالي.
وحذر مسؤولون كبار في الجيش من أنه إذا لم يتم تجنيد شرائح إضافية من السكان وتوزيع العبء، فإن “الحبل مع منظومة الاحتياط سينقطع”، ما قد يؤدي إلى أزمة ثقة مع الجيش، ويجبر المؤسسة العسكرية قريباً على تقليص القوات بصورة غير اعتيادية على مختلف الحدود بسبب النقص في المقاتلين.
ولإظهار حجم الأزمة، يشير التقرير إلى أن السنوات الثلاث الماضية فرضت زيادة غير مسبوقة بلغت 36% في حجم منظومة الاحتياط.
وإلى جانب إنشاء ألوية وفرق وكتائب دفاع جديدة، استنزف الجيش القوى البشرية القائمة إلى أقصى الحدود.
وفي آب 2024، فُعل أمر خاص أعاد نحو 22000 جندي احتياط من حالة الإعفاء.
كما أدت أيام مقابلات مركزة خلال 2025 و2026 إلى تجنيد آلاف إضافيين.
وفي يوم المقابلات الأول خلال 2025، تم تجنيد 14016 شخصاً، ثم 1655 لاحقاً.
وفي يوم المقابلات الأول خلال 2026، جرى تجنيد 5757، ثم 484 آخرين لاحقاً.
ومن المقرر تنفيذ حملة إضافية في كانون الأول 2026.
وبالنتيجة، ارتفع عدد الأشخاص المدرجين في منظومة الاحتياط بنسبة 38%.
لكن التقرير يعتبر أن ذلك لا يشكل خطة عمل مستقرة، بل “تنفساً اصطناعياً” لمجموعة صغيرة من السكان.
وانعكس ذلك في تآكل غير مسبوق، إذ ارتفع متوسط أيام الاحتياط لكل مقاتل إلى ما بين 80 و100 يوم سنوياً، مقارنة بتخطيط اعتيادي كان يقوم على نحو 55 يوماً.
ورغم أن الجيش والحكومة وسعا منظومة الدعم الاقتصادي والنفسي والأكاديمي من خلال برنامج “دائرة الخدمة” وصندوق المساعدة، عبر منح وقسائم ودعم للأقساط الجامعية وتخفيضات على السكن، فإن التقرير يشدد على أن أي دعم مالي لا يستطيع تعويض النقص في المقاتلين الذين يُفترض أن يقفوا على الجبهات.
ويخلص إلى أن المال لن يحل مشكلة الإرهاق عندما يفضل النظام السياسي اعتبارات الائتلاف على المساواة في تحمل العبء.
وبين تغييرات استخبارية وهندسية وجوية واسعة من جهة، واستمرار حماس وحزب الله كعاملَي تهديد من جهة أخرى، يبقى التحدي الأكبر داخلياً: جيش تغيّر كثيراً منذ 7 تشرين الأول، لكنه قد يجد نفسه أمام أزمة قوى بشرية تهدد قدرته على تطبيق كل الدروس التي يقول إنه استخلصها.




