سلايدات

“يمين أم فلسطين”… نتنياهو يعيد تدوير سلاحه الانتخابي القديم

بعد 30 عامًا على حملة “بيريس سيقسّم القدس” التي ساهمت في دفع بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 1996، يعود رئيس الوزراء الإسرائيلي اليوم إلى وصفة انتخابية مشابهة، لكن بشعار جديد: “يمين أم فلسطين”. تحليل لآلاف المنشورات السياسية يكشف متى وُلد هذا الخطاب، ومن يقف خلف نشره، ولماذا يحتاج إليه حزب الليكود الآن، في وقت تواجه الحملة حقيقة تحاول إبقاءها بعيدًا عن الواجهة.

وبحسب تقرير للصحافي عوفر حداد في مجلة “N12” الإسرائيلية، ضمن المشروع الخاص “ما الرسالة؟” الذي تنفذه “N12” بالتعاون مع “Scooper” قبيل الانتخابات، تعود جذور الاستراتيجية الحالية إلى انتخابات عام 1996، عندما واجه نتنياهو شمعون بيريس.

في تلك المرحلة، كان فريق حملة نتنياهو يبحث عن ورقة قادرة على منحه أفضلية أمام بيريس، الذي كان يستفيد من زخم سياسي في ظل الصدمة التي عاشتها إسرائيل بعد أشهر من اغتيال إسحاق رابين.

وكان نتنياهو حينها يواجه أيضًا صور التظاهرات في ساحة صهيون، فيما اقتصرت خبرته السياسية على منصبي نائب وزير الخارجية ونائب وزير في مكتب رئيس الحكومة، مقارنة ببيريس البالغ حينها 72 عامًا، والذي كان قد شغل منصبي وزير الدفاع ورئيس الحكومة.

أما نتنياهو، وكان يبلغ 46 عامًا، فلم يكن يستطيع حتى الاستناد إلى منصب وزير للشؤون الاستراتيجية في سيرته السياسية.

وجرت انتخابات ذلك العام بعد موجة هجمات دامية، وفي ظل عملية سياسية نشطة مع الفلسطينيين أثارت انقسامًا ومخاوف واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي.

وكان فريق حملة نتنياهو، الذي ضم الاستراتيجي الأميركي آرثر فينكلشتاين وموتي موريل، يبحث عن رسالة تمنحه تفوقًا واضحًا، قبل أن يجد ضالته في العبارة: “بيريس سيقسّم القدس”.

أما الشعار الرسمي للحملة فكان: “نتنياهو، نصنع سلامًا آمنًا”، إلا أن نتنياهو حوّل قضية القدس إلى لازمة يكررها حتى عندما كان يُسأل عن الطقس، وانتهت الانتخابات بفوزه.

وبالعودة إلى انتخابات عام 2026، يشير التقرير إلى أنه بعد تجنب كارثة جوية غير مسبوقة، بفضل مزيج من الحظ وحسن التصرف، وفي ظل إخفاق نُسب أيضًا إلى وزارة المواصلات والوزيرة التي تترأسها، حاولت وزيرة المواصلات ميري ريغيف صد الانتقادات، وختمت ردها بالقول: “إما اليمين وإما فلسطين”.

ويرى التقرير أن العبارة لم تأتِ صدفة، بل تمثل نسخة جديدة من شعار “بيريس سيقسّم القدس” الذي استُخدم قبل 30 عامًا.

ويواجه نتنياهو اليوم تداعيات مجزرة 7 تشرين الأول التي، بحسب التقرير، “تثقل كاهله”، إلى جانب أزمة غلاء معيشة خرجت عن السيطرة، كما يخسر نقاطًا داخل معسكره السياسي بسبب تحالفه مع الأحزاب الحريدية.

ومثلما حدث عام 1996، يبحث نتنياهو، وفق التقرير، عن العبارة القادرة على توجيه الضربة الانتخابية لخصومه.

ويريد الليكود إبعاد النقاش الانتخابي عن أعباء خدمة الاحتياط، وعن المسؤولية عن مجزرة 7 تشرين الأول، وعن ملفات أخرى، وتحويله نحو ساحة أكثر راحة بالنسبة إليه.

ويشير التقرير إلى أن المجتمع الإسرائيلي تحرك بحدة نحو اليمين بعد 7 تشرين الأول، إذ يقول 38% إن مواقفهم السياسية والأمنية تحولت يمينًا عقب الهجوم، وإن مخاوفهم من التهديد الفلسطيني ازدادت.

وفي الوقت نفسه، لا توجد حاليًا أي عملية سياسية، كما أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس موجود في المقاطعة، بعيدًا عن مروج البيت الأبيض.

ومع ذلك، يحاول نتنياهو، بحسب التحليل، استخدام الحيلة نفسها التي استعان بها في انتخابات 1996، عبر اختزال معضلة الناخب الذي انتقل نحو اليمين في خيار ثنائي: “يمين أم فلسطين”.

لكن التقرير يلفت إلى فارق أساسي بين المرحلتين، ففي انتخابات 1996 كان الخلاف السياسي مع الفلسطينيين حاضرًا ومركزيًا، وقام نتنياهو بتحويله إلى خيار ثنائي، أما اليوم فلا توجد عملية سلام نشطة من النوع الذي كان قائمًا آنذاك، كما أن مسألة إقامة دولة فلسطينية ليست في صلب الخطاب السياسي بالطريقة نفسها.

ويعرض التقرير أرقامًا استندت إليها شركة “Scooper”، التي حللت 2,865 منشورًا أصليًا لـ96 عضو كنيست ومرشحًا، خلال الفترة الممتدة من 7 تشرين الأول 2023 حتى 6 تشرين الأول 2026.

وظهر الحديث عن “فلسطين” في سياقات متعددة، بينها الدعاية السياسية، ومسألة مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة غزة، والاعتراف الدولي، والعنف في الضفة الغربية وغيرها.

لكن التحول الأساسي وقع بين حزيران وتشرين الأول، بالتزامن مع الحملة الانتخابية، عندما تحولت القضية الفلسطينية، وفق التقرير، إلى “السلاح الانتخابي الجديد”.

وكان وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي أول من أطلق الرسالة في 29 تموز عندما كتب: “إما اليمين وإما فلسطين”.

ولمدة شهرين، لم يكرر أي عضو في حزبه العبارة، قبل أن يحولها نتنياهو، في نهاية أيلول، إلى الرسالة المركزية لحملته خلال المرحلة الأخيرة من الانتخابات.

وفي 3 و4 تشرين الأول، ظهرت موجة منسقة من المنشورات لعدد من أعضاء الكنيست، تضمنت صياغات متطابقة أو شبه متطابقة.

وسجل التقرير 34 منشورًا تضمنت شعار “يمين أم فلسطين”، فيما كان نتنياهو وحده مسؤولًا عن 72% من التفاعل المرتبط بالشعار.

ويشير التقرير إلى أن وتيرة نشر الرسالة تتزايد مع الاقتراب من يوم الانتخابات، في استعادة واضحة لنمط “بيريس سيقسّم القدس”.

لكن في مواجهة الرسائل الانتخابية، يضع التقرير مجموعة من الوقائع التي تفضّل الحملة، بحسب وصفه، عدم إبرازها.

فالشخص الذي وقّع قبل عام فقط على خطة دونالد ترامب المؤلفة من 21 نقطة هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه.

وتتضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العبارة الآتية: “قد تنشأ الظروف لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني والدولة، التي نقر بأنها طموح للشعب الفلسطيني”.

ويلفت التقرير إلى أن الحملات الانتخابية الإسرائيلية، منذ سنوات طويلة، لم تعد تتمحور حول إقامة دولة فلسطينية، وأن غالبية الجمهور الإسرائيلي لم تعد موجودة في هذه المساحة السياسية.

لكن الشخص الذي أعاد القضية إلى الطاولة، وأعطى موافقته الصريحة على أفق سياسي يتضمن دولة فلسطينية، كان نتنياهو نفسه، وليس في خطاب بار إيلان عام 2009، بل في تشرين الأول 2025، ضمن الاتفاق مع حماس بعد مجزرة 7 تشرين الأول.

وبحسب التقرير، تبدو المفارقة أن من أعاد ملف الدولة الفلسطينية إلى الطاولة يحاول اليوم استخدامه ضد خصومه.

وعلى المستوى المعلن، أوضح غادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت ويائير لابيد أنهم يعارضون إقامة دولة فلسطينية.

وكتب ليبرمان، اليوم الخميس، أن نتنياهو هو من “سيدخل التاريخ بوصفه مؤسس الدولة الفلسطينية”، وطرح في مواجهته خطة خاصة به تتضمن تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقات أوسلو.

كما قال عوفر فينتر، اليوم، في خطاب خلال المؤتمر الدولي لمعهد سياسات مكافحة الإرهاب في جامعة رايخمان: “عندما يقول رئيس الحكومة إنه لن تقوم هنا دولة فلسطينية، لكنه يمنح شرعية لإقامتها كما في خطة النقاط الـ21، فإنه عمليًا يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر”.

وفي المقابل، تحاول الدائرة المحيطة بنتنياهو استخراج تصريحات قديمة من الأرشيف لزعماء الأحزاب الأخرى، في محاولة لإظهار أنهم يريدون في داخلهم إقامة دولة فلسطينية.

غير أن التقرير يشير إلى أنه إذا فُتح باب الأرشيف، فليس مؤكدًا أن تصريحات نتنياهو السابقة ستعمل لمصلحته.

وبذلك، تبدو حملة “يمين أم فلسطين” محاولة لإعادة إنتاج سلاح انتخابي نجح قبل 30 عامًا، لكن الفارق هذه المرة أن القضية التي يستخدمها نتنياهو ضد خصومه تحمل أيضًا توقيعه على مسار سياسي أعاد بنفسه وضع الدولة الفلسطينية على الطاولة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى