
هل بدأت المخاوف من وصول الجيش الإسرائيلي إلى النبطية وشمال الليطاني تُحدث تصدّعات داخل البيئة الشيعية، وتضع العلاقة بين حركة أمل وحزب الله أمام اختبار غير مسبوق؟ هذا السؤال طرحه تقرير إسرائيلي مطوّل، اعتبر أن احتمال توسّع الحرب نحو مناطق نفوذ حركة أمل قد يدفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إعادة النظر في حدود تحالفه مع الحزب، خشية تعريض قاعدته الشعبية لمزيد من الدمار والنزوح.
وبحسب تقرير أعدّه الباحث تال بئيري في مركز “ألما” الإسرائيلي، فإن التطورات الأخيرة في جنوب لبنان تكشف مؤشرات إلى تبدّل تدريجي في حسابات بعض الأوساط الشيعية، ولا سيما المحسوبة على حركة أمل، حيث بدأت المخاوف من تداعيات الوجود العسكري لحزب الله تتقدّم على الاعتبارات السياسية التقليدية.
ويرى التقرير أن النبطية تحوّلت إلى نقطة محورية في هذه المعادلة، بعدما بات احتمال تمدّد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى المدينة ومحيطها أحد أبرز مصادر القلق، خصوصاً أن مناطق شمال الليطاني لم تعد، وفق التقديرات الإسرائيلية، بمنأى عن سيناريو مشابه لما شهدته القرى الحدودية.
واستند التقرير إلى تحذيرات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 14 تشرين الأول، حين لوّح، في حال مشاركة حزب الله في مواجهة جديدة إلى جانب إيران، بتوسيع المنطقة الأمنية الإسرائيلية لتشمل أراضي إضافية في الجنوب، وصولاً إلى منطقتَي النبطية والليطاني، وضمّها إلى منطقة أمنية دائمة تحت السيطرة الإسرائيلية.
كما هدّد كاتس بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، وشنّ ضربات واسعة على منشآت الحزب، محذّراً من احتمال نزوح أكثر من مليون شيعي داخل لبنان. وأوضح التقرير أن هذه التهديدات تبقى سيناريو مشروطاً وليست قراراً إسرائيلياً اتُّخذ بالفعل.
وفي هذا السياق، اعتبر مركز “ألما” أن الخوف من انتقال الحرب إلى النبطية قد يصبح عاملاً مؤثراً في العلاقة بين بري وحزب الله، إذ إن أي توسّع للعمليات العسكرية سيطاول مناطق تشكّل خزّاناً شعبياً أساسياً لحركة أمل، بما يحمله ذلك من خسائر سكانية واقتصادية وسياسية.
ولتعزيز هذه القراءة، عرض التقرير سلسلة حوادث شهدتها بلدات محسوبة على حركة أمل، بينها عربصاليم، حيث تحدث عن تبادل لإطلاق النار في 6 أيلول بين محسوبين على الحركتين، على خلفية اعتراض على نقل عناصر وأسلحة بين المنازل خشية تعرّضها لغارات إسرائيلية.
كما أشار إلى اعتراض سكان في القصيبة على وضع مستوعب تابع للهيئة الصحية الإسلامية وجمعية “وتعاونوا” داخل منطقة سكنية في 18 أيلول، ما أدّى إلى نقله، إضافة إلى احتكاكات سُجّلت في حناويه وزوطر الغربية والبابلية وحطّا.
وتوقّف التقرير خصوصاً عند زوطر الغربية، حيث أثار نشر معلومات وصور عن أشخاص قيل إنهم مرتبطون بحزب الله تساؤلات بشأن احتمال وجود أطراف محلية تسعى إلى الحدّ من نفوذ الحزب. لكنه أقرّ بأن المعلومات المتاحة لا تثبت هوية من سرّب تلك التفاصيل، فيما نفت الجهات المعنية الاتهامات الموجّهة إليها.
وفي النبطية، سلّط التقرير الضوء على زيارة رئيس الحكومة نواف سلام في 2 تشرين الأول، حين طالبت الناشطة عبير هاني مروة بعودة سلطة الدولة وإنهاء الحرب والدفع نحو التفاوض مع إسرائيل، قبل أن تتعرّض لحملة انتقادات من مؤيدي حزب الله.
واعتبر المركز أن أهمية الحادثة لا تكمن في الموقف وحده، بل في صدوره من النبطية، التي وصفها بأنها أحد أبرز مراكز الثقل التاريخية لحزب الله وحركة أمل، معتبراً أن المطالبة بتعزيز سلطة الجيش والدولة هناك تعكس احتمال بروز أولويات مختلفة لدى بعض السكان.
أما على مستوى العلاقة بين القيادتين، فتناول التقرير معلومات عن اتساع التباين بين بري وحزب الله بشأن التعامل مع حكومة نواف سلام، مشيراً إلى تقارير تحدثت عن رفض رئيس المجلس الانخراط في تحركات قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة أو فتح مواجهة سياسية جديدة.
ووفق تلك المعلومات، أبلغ بري كوادر حركة أمل بعدم المشاركة في احتجاجات ضد الحكومة، انطلاقاً من قناعته بأن الظروف اللبنانية لا تحتمل أزمة إضافية، وبأنه قدّم التزامات لمسؤولين سعوديين وغربيين بالعمل للحفاظ على الاستقرار الحكومي. كما تحدث التقرير عن تراجع في مستوى التنسيق المباشر بينه وبين الحزب، مع إقراره بأن هذه المعلومات تتعلق باتصالات خلف الكواليس وتستوجب التعامل معها بحذر.
وربط المركز موقف بري بمصالح حركة أمل في إعادة الإعمار، لافتاً إلى دور مجلس الجنوب الذي تتمتع الحركة بنفوذ أساسي فيه، وإلى أهمية الحفاظ على تدفّق المساعدات والتمويل الدولي لإعادة بناء المناطق المتضررة.
وبحسب القراءة الإسرائيلية، فإن المعضلة التي قد يواجهها بري لم تعد محصورة في الاختلاف السياسي مع حزب الله، بل باتت تتصل بإمكان تحوّل التحالف معه إلى عبء على البيئة الشيعية المحسوبة على حركة أمل، إذا أدّى استمرار النشاط العسكري إلى مواجهة جديدة تشمل النبطية وما بعدها.
ومع ذلك، شدّد التقرير على عدم وجود أدلة تثبت حصول انتفاضة شيعية ضد حزب الله أو انهيار شعبيته داخل قاعدته الأساسية، كما أكد أن الحوادث المحلية لا تشكّل دليلاً على شرخ جوهري بين قيادتي أمل والحزب، أو على أن الحركة تنظّم الاعتراضات في القرى.
وخلص إلى أن التحوّل المحتمل قد يبدأ بمطالب محلية لإبعاد الأنشطة العسكرية عن المناطق السكنية وتسليم المسؤولية الأمنية إلى مؤسسات الدولة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي السياسي عن حزب الله أو إنهاء التحالف معه.
وهنا، يضع التقرير النبطية في قلب المعادلة الجديدة: فهل يدفع الخوف من وصول الحرب إليها نبيه بري إلى توسيع المسافة السياسية مع حزب الله، أم يبقى التحالف قائماً رغم تصاعد المخاوف داخل بعض المناطق المحسوبة على حركة أمل؟




