
تتجه الولايات المتحدة غدًا الثلاثاء إلى انتخابات نصفية قد تعيد رسم موازين القوة في واشنطن خلال العامين المقبلين، بعدما أدلى أكثر من 51 مليون أميركي بأصواتهم مبكرًا، وسط معركة محتدمة على الكونغرس، وتراجع حاد في شعبية الرئيس دونالد ترامب، فيما تلقي الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية بثقلها على صناديق الاقتراع، وتدخل العلاقة مع إسرائيل بدورها على خط عدد من السباقات الحساسة.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، تنطلق انتخابات التجديد النصفي رسميًا غدًا الثلاثاء، إلا أن أكثر من 51 مليون أميركي شاركوا بالفعل في التصويت المبكر، في رقم تاريخي يعكس مستوى التوتر غير المسبوق المحيط بانتخابات 2026.
ورغم أن ترامب ليس مرشحًا في هذه الانتخابات، فإن نتائجها ستنعكس مباشرة على رئاسته، ولا سيما إذا خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ. وتكتسب الانتخابات النصفية أهميتها من كونها تجري في منتصف ولاية الرئيس، وغالبًا ما تتحول إلى ما يشبه الاستفتاء على أدائه وسياساته.
وتشمل الانتخابات الحالية جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، وهو الغرفة السفلى في الكونغرس، و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، إضافة إلى 39 منصب حاكم ولاية في أنحاء الولايات المتحدة.
وستحدد النتائج الحزب الذي سيسيطر على السلطة التشريعية خلال العامين المقبلين. وكان الجمهوريون قد دخلوا السباق بأغلبية ضئيلة في الكونغرس، إلا أن الخريطة السياسية تبدو أمام احتمال التغيير.
وتأتي الانتخابات في ظل تراجع دراماتيكي وغير مسبوق في شعبية ترامب، بعدما ألحقت الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية ضررًا كبيرًا بآمال الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالأغلبية في مجلسَي الشيوخ والنواب.
ووفق تحليل موسع أجراه هاري إنتن من شبكة “CNN”، استنادًا إلى آلاف استطلاعات الرأي، يبلغ صافي معدل التأييد لترامب حاليًا سالب 24 نقطة، وهو أسوأ رقم يسجله أي رئيس قبيل انتخابات نصفية منذ عهد هاري ترومان عام 1946.
كما تضغط قضية التضخم وغلاء المعيشة بصورة خاصة على الناخبين، فيما يتعرض ترامب لانتقادات حادة على المستوى الاقتصادي، مع تسجيله مستوى تاريخيًا متدنيًا بلغ سالب 52 نقطة في مؤشر التأييد الاقتصادي لدى “CNN”.
ولا يبدو الكونغرس الحالي في وضع أفضل، إذ تبلغ نسبة تأييده 14% فقط، وهي أدنى نسبة تُسجل على الإطلاق عشية فتح صناديق الاقتراع.
وتنعكس هذه الأرقام في الميدان لمصلحة الديمقراطيين، الذين يتقدمون بفارق 9% في الاقتراع الوطني العام للكونغرس، وهو فارق يبدو أنه يلغي الأفضلية الهيكلية التي حصل عليها الجمهوريون نتيجة إعادة رسم عدد كبير من الدوائر الانتخابية.
وتمنح النماذج الإحصائية لشبكة “CNN” الحزب الديمقراطي حاليًا فرصة تبلغ 92% لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، مع توقع حصوله على 237 مقعدًا، في مقابل 198 مقعدًا فقط للجمهوريين.
وفي البيت الأبيض، يرفض المسؤولون علنًا التسليم بهذه التوقعات، ويتهمون وسائل الإعلام بالترويج لرواية زائفة، إلا أن الاستعدادات خلف الكواليس تسير بجدية لاحتمال مواجهة كونغرس معارض.
ووفق تقرير لوكالة “رويترز”، يعمل كبار مسؤولي الإدارة منذ أشهر، وبينهم نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر ومدير مكتب الإدارة والموازنة راسل فوت، على إعداد خطط تسمح لترامب بمواصلة تنفيذ أجندته عبر الأوامر الرئاسية والصلاحيات التنفيذية المستقلة.
وتتضمن الخطة الاستراتيجية سلسلة إجراءات بعيدة المدى لا تحتاج إلى موافقة المشرعين، بينها تشديد قواعد إصدار التأشيرات للطلاب الدوليين والعمال الأجانب، ومحاولات خفض تكاليف البناء، وفرض رسوم جمركية جديدة على المعادن الحيوية وواردات توربينات الرياح.
وفي الوقت نفسه، يعمل فريق المحامين في البيت الأبيض بقيادة ويل شارف على تحضير وزراء الإدارة لمواجهة موجة متوقعة من مذكرات الاستدعاء والتحقيقات التي قد تطلقها لجان الكونغرس، مع دراسة إمكانية الاستناد إلى الامتياز التنفيذي الرئاسي لمنع كشف اتصالات داخلية حساسة.
أما معركة مجلس الشيوخ فتبدو أكثر تعقيدًا، إلا أن الزخم يميل فيها أيضًا إلى الديمقراطيين، إذ تبلغ فرصهم في تحقيق الأغلبية 71%.
ولضمان هذا التحول، يسعى الديمقراطيون إلى استغلال ضعف غير مسبوق لمرشحين جمهوريين في ولايات تُعد تقليديًا معاقل للمحافظين.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى تكساس، حيث يتقدم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو في استطلاعات الرأي على منافسه الجمهوري، المدعي العام كين باكستون، الذي يسجل معدل تأييد سلبيًا يبلغ سالب 29 نقطة، ما يجعله المرشح الجمهوري الأكثر إثارة للانقسام في الولاية منذ عقود.
وتظهر متاعب الجمهوريين في مناطق أخرى أيضًا. ففي أوهايو، يتقدم الديمقراطي شيرود براون على جون هيوستد، فيما يعاني المرشح روجر مارشال في كانساس من شعبية سلبية متدنية.
وحتى في ولايات مثل أيوا وألاسكا، تسجل سباقات متقاربة تقع ضمن هامش الخطأ في الاستطلاعات أمام سياسيين حاليين مثل دان سوليفان.
ويتكرر المشهد نفسه في انتخابات حكام الولايات، إذ تمنح أسواق التوقعات احتمالًا يبلغ 83% لأن تصبح غالبية مناصب الحكام في أيدي الديمقراطيين، في قفزة كبيرة مقارنة بنسبة 27% فقط كانت متوقعة في آذار.
لكن خيبة الأمل لا تقتصر على المعسكر الجمهوري، إذ يسجل تشاك شومر، المرشح لقيادة الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، معدل شعبية سلبيًا يبلغ سالب 5 نقاط حتى بين ناخبي حزبه، وهو أسوأ رقم لزعيم ديمقراطي منذ عام 1985.
وإلى جانب الاقتصاد والسياسة الداخلية، تتسلل ملفات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية مباشرة إلى صناديق الاقتراع، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل.
وتبرز ميشيغان بوصفها واحدة من أكثر ساحات المنافسة أهمية وحساسية، وهي ولاية متأرجحة ذات وزن سياسي كبير، حيث تحولت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى محور خلاف حاد.
ووفق تقرير في “واشنطن إكزامينر”، اندلع قبل أيام من الانتخابات سجال علني بشأن هذا الملف بين المرشح الديمقراطي عبد السيد ومنافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، عضوة الكونغرس هايلي ستيفنز.
ويتمحور الجدل في ميشيغان حول حملة أطلقتها منظمة “Rebellion PAC”، التي يصفها التقرير بأنها يسارية متطرفة وأسّسها جنك أويغور.
وشن الإعلان الانتخابي الذي نشرته المنظمة هجومًا مباشرًا على المساعدات الأميركية لإسرائيل، في محاولة لتحميل إسرائيل مسؤولية مشكلات غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الغذائية داخل الولايات المتحدة.
وأدان قادة يهود وسياسيون معتدلون ومنظمات لمكافحة معاداة السامية الحملة بشدة، معتبرين أن الادعاء بأن إسرائيل مسؤولة عن أسعار المواد الغذائية في ميشيغان يمثل “افتراءً معاديًا للسامية” يبحث عن كبش فداء.
وبحسب تحليل لمعهد دراسات الأمن القومي، يُنظر إلى فوز عبد السيد المبكر في الانتخابات التمهيدية بوصفه مؤشرًا إلى تحرك الحزب الديمقراطي نحو اليسار في ما يتعلق بإسرائيل، وهو اتجاه انتخابي قد يدفع عددًا كبيرًا من الناخبين المعتدلين بعيدًا عن الحزب عند التصويت.
وفي حال فوزه، سيصبح عبد السيد أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ، وقد يخوض أيضًا الانتخابات الرئاسية عام 2028.
ويرى التقرير أن احتمالًا كهذا لم يكن يمكن تصوره في السابق، ويعتبره مؤشرًا على تصاعد موجة مناهضة لإسرائيل ومعاداة السامية في السياسة الأميركية، كما يرى أن هذا المزاج يقلص بدرجة كبيرة قدرة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك” على التأثير في السباقات الانتخابية المهمة.
وبذلك، لا تبدو انتخابات الغد مجرد معركة على مقاعد الكونغرس، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة ترامب على مواصلة أجندته خلال النصف الثاني من ولايته، في وقت تتقاطع فيه أزمات الاقتصاد والحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل في صناديق الاقتراع، فيما قد تحدد النتيجة مقدار القوة التي ستبقى في يد البيت الأبيض خلال العامين المقبلين.




