سلايدات

الأسباب الموجبة لإسترداد مذكرات التوقيف الغيابية

بقلم المحامية فريال الأسمر:

كثر في الآونة الأخيرة التهجّم على النيابات العامة بسبب رفضها إعطاء الموافقة على استرداد مذكرات التوقيف الغيابية، وكأنّ النيابة العامة تمارس سلطة تعسفية أو تتجاوز حدود القانون في هذا المجال. إلا أنّ القراءة القانونية الهادئة للنصوص المرعية الإجراء تُظهر أنّ موقف النيابة العامة، في كثير من الحالات، يجد أساسه المباشر في أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي فلسفة التوقيف الاحتياطي ذاتها، التي تقوم على حماية التحقيق وضمان حسن سير العدالة ومنع فرار المدعى عليه أو العبث بالأدلة أو التأثير على الشهود.
إنّ استرداد مذكرة التوقيف ليس حقاً مكتسباً للمدعى عليه، ولا إجراءً تلقائياً يُمنح بمجرد تقديم الطلب، بل هو تدبير استثنائي يخضع لتقدير قضائي دقيق تتداخل فيه سلطة قاضي التحقيق مع رأي النيابة العامة، وذلك وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.
فالقانون أعطى لقاضي التحقيق صلاحية استرداد مذكرة التوقيف، لكنه قيّد هذه الصلاحية بموافقة النيابة العامة، ما يعني أنّ المشترع لم يشأ أن يكون القرار منفرداً أو مطلقاً، بل أراد نوعاً من الرقابة المتبادلة بين سلطتي التحقيق والادعاء حفاظاً على التوازن بين الحرية الفردية ومقتضيات المصلحة العامة. وقد نصت المادة 110 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنّه: “لقاضي التحقيق أن يقرر، أثناء معاملات التحقيق، ومهما كان نوع الجريمة، استرداد مذكرة التوقيف بموافقة النائب العام…”
ومن هنا، فإنّ موافقة النيابة العامة ليست إجراءً شكلياً أو بروتوكولياً، بل هي عنصر جوهري يترتب على غيابه سقوط إمكانية استرداد مذكرة التوقيف. وبالتالي، عندما ترفض النيابة العامة إعطاء هذه الموافقة، فهي تمارس صلاحية منحها إياها القانون صراحة، ولا يمكن اعتبار ذلك خروجاً عن القانون أو تعسفاً بحد ذاته، ما دام الرفض قائماً على أسباب جدية مرتبطة بمقتضيات التحقيق أو خطورة الأفعال أو احتمال فرار المدعى عليه.

ويُطرح هنا السؤال الجوهري: متى يكون رفض النيابة العامة مبرراً ومتى تكون الموافقة على استرداد مذكرة التوقيف جائزة قانوناً؟
إنّ النيابة العامة تميل عادةً إلى رفض استرداد مذكرة التوقيف في الحالات الآتية:
أولاً: عندما تكون الجريمة على درجة عالية من الخطورة، ولا سيما في الجنايات الكبرى كالقتل، والاتجار بالمخدرات، والجرائم المنظمة، والجرائم الواقعة على أمن الدولة، والجرائم المالية الضخمة التي تتعلق بهدر المال العام أو تبييض الأموال، إذ ترى النيابة العامة في هذه الحالات أنّ خطورة الفعل تستوجب إبقاء مفعول مذكرة التوقيف قائماً ضماناً لهيبة العدالة ومنعاً لتهرب المدعى عليه.
ثانياً: عندما يتوافر خطر فرار المدعى عليه، ولا سيما إذا كان قد توارى سابقاً عن الأنظار، أو امتنع عن الحضور رغم تبلغه، أو ثبت أنّه غادر الأراضي اللبنانية أو يحضّر لمغادرتها، أو لا يملك إقامة مستقرة واضحة يمكن تبليغه عليها.
ثالثاً: عندما يكون التحقيق ما يزال في مرحلة حساسة، بحيث يُخشى من تأثير المدعى عليه على الشهود أو العبث بالأدلة أو التنسيق مع شركاء محتملين بما يؤدي إلى عرقلة كشف الحقيقة.
رابعاً: عندما يكون للمدعى عليه سوابق جرمية أو عندما يتبين وجود حالة اعتياد جرمي تجعل إطلاق يده خطراً على المجتمع أو على سير العدالة.
خامساً: عندما يتخلّف المدعى عليه عن تقديم ضمانات جدية للحضور أمام القضاء عند الطلب، أو عندما يظهر من سلوكه عدم احترامه للإجراءات القضائية.
في المقابل، فإنّ النيابة العامة قد توافق على استرداد مذكرة التوقيف في حالات عديدة، أبرزها:
أولاً: عندما يبادر المدعى عليه طوعاً إلى المثول أمام القضاء، بما يعكس نيته التعاون مع التحقيق وعدم التواري عن العدالة.
ثانياً: عندما تكون الجريمة غير خطيرة أو من نوع الجنح التي لا تستدعي التوقيف الاحتياطي المشدد.
ثالثاً: عندما تكون الأدلة الأولية غير كافية لتبرير استمرار التوقيف أو عندما يعتري الملف ضعف واضح في عناصر الاشتباه.
رابعاً: عندما تتوافر ضمانات كافية لحضور المدعى عليه، كاتخاذ موطن مختار واضح، أو وجود كفالة جدية، أو ارتباطه العائلي والاجتماعي والمهني الثابت داخل البلاد.
خامساً: عندما تكون الحالة الصحية أو الإنسانية للمدعى عليه استثنائية وتبرر منحه فرصة متابعة التحقيق وهو طليق.
كما أنّه لا بد من التمييز بين استرداد مذكرة التوقيف وبين إخلاء السبيل. فاسترداد المذكرة يعني عملياً إلغاء مفعول مذكرة التوقيف قبل تنفيذها أو بعده ضمن شروط معينة، بينما إخلاء السبيل يتعلق بالإفراج عن موقوف مع إبقاء الدعوى قائمة بحقه. وهذا التمييز أساسي لأنّ لكل إجراء شروطه القانونية المختلفة.
وفي جميع الأحوال، فإنّ الأصل في الإنسان هو البراءة، والتوقيف الاحتياطي يجب أن يبقى تدبيراً استثنائياً لا قاعدة عامة. غير أنّ هذه القاعدة لا تعني تجريد النيابة العامة من دورها في حماية التحقيق والمجتمع، بل تفرض عليها أن توازن بين الحرية الفردية ومقتضيات العدالة، وهو توازن بالغ الدقة لا يجوز اختزاله بالشعارات أو بالضغوط الإعلامية.
لذلك، فإنّ تحميل النيابات العامة مسؤولية رفض استرداد مذكرات التوقيف بصورة مطلقة يُعد تبسيطاً مخلّاً للمسألة القانونية، لأنّ كل ملف جزائي له خصوصيته وظروفه ومعطياته المختلفة. فثمة حالات يكون فيها رفض النيابة العامة مبرراً وضرورياً لحماية التحقيق، وثمة حالات أخرى قد يكون فيها التشدد غير مبرر ويتعارض مع مبدأ الحرية الفردية وقرينة البراءة.
ويبقى المعيار الحقيقي هو مدى استناد القرار، سواء بالموافقة أو الرفض، إلى أسباب قانونية وواقعية جدية، بعيداً عن الاستنسابية أو الضغوط أو الاعتبارات غير القضائية. فالعدالة لا تتحقق بالإفراط في التوقيف، كما لا تتحقق بالتساهل غير المبرر، وإنما بتحقيق التوازن الدقيق بين حق المجتمع في الأمن وحق الفرد في الحرية والمحاكمة العادلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى