سلايدات

ترامب يقلب الطاولة الأوروبية… وبوتين الرابح الأكبر!

في وقت لا تزال فيه أوروبا تواجه تداعيات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة التي تفاقمت بفعل الحرب في إيران، تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه إعادة الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية، في خطوة تثير اعتراضات واسعة داخل القارة وتفتح الباب أمام مواجهة جديدة بين واشنطن وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على تداعيات استئناف استيراد الطاقة الروسية، بل تمتد إلى احتمال أن تتحول نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة يوم الثلاثاء، إلى نقطة انعطاف في علاقة ترامب بأوروبا، وسط تقديرات دبلوماسية بأن أي خسارة للجمهوريين قد تدفع الرئيس الأميركي إلى تشديد الضغوط على حلفائه واتخاذ خطوات عسكرية وسياسية أكثر حدة.

وبحسب تقرير للصحافي آساف روزنصويغ في موقع “القناة 12” الإسرائيلية، واستناداً إلى تقارير نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” وموقع “بوليتيكو”، فإن إدارة ترامب تعمل على مسارين متوازيين: الأول إعادة فتح الباب أمام تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا ضمن تفاهمات محتملة مع موسكو، والثاني إعادة النظر في الالتزامات العسكرية والأمنية الأميركية تجاه القارة الأوروبية.

وتقود هذا التوجه، وفق التقرير، شخصيتان مقربتان من ترامب هما المبعوثان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذان يدفعان باتجاه خطة لاستئناف ضخ الغاز الروسي إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب المارة في الأراضي الأوكرانية.

وتقضي الخطة بأن يُباع الغاز الروسي من خلال جهة أميركية وسيطة، بما يتيح الالتفاف على العقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو. وترى الإدارة الأميركية أن هذه الخطوة قد تساهم في تخفيف أسعار الطاقة عالمياً، فضلاً عن فتح فرص تجارية مربحة أمام المستثمرين الأميركيين.

كما تعتقد واشنطن أن عودة روسيا إلى سوق الغاز الأوروبية قد تشكل حافزاً مهماً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للموافقة على وقف لإطلاق النار في مجال الطاقة. وفي المقابل، يمكن لأوكرانيا أن تستفيد من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها.

ونقل التقرير عن مسؤول أميركي رفيع أن البيت الأبيض اقترح إيداع العائدات الروسية الناتجة من مبيعات الغاز في حساب ائتماني داخل دولة ثالثة، بهدف منع الكرملين من استخدام هذه الأموال لتمويل الحرب.

وكانت الخطة قد تراجعت خلال الشهر الماضي، بعدما أوقفت أوكرانيا هجماتها على مصافي النفط الروسية، إثر ضغوط مارسها ترامب عليها. وامتنعت كييف عن تنفيذ ضربات لمدة قاربت أسبوعين، فيما واصلت روسيا استهداف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية. لكن أوكرانيا عادت يوم الجمعة إلى استهداف المنشآت النفطية الروسية، وشنّت خلال 3 أيام هجمات على 3 مصافٍ رئيسية.

وعلى أثر ذلك، استأنفت الإدارة الأميركية جهودها للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع الطاقة، على أمل إحراز تقدم يمهّد لمحادثات سلام ثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، من المقرر عقدها في منتصف تشرين الثاني في أبو ظبي.

في المقابل، تواجه الخطة الأميركية معارضة شديدة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ترفض الدول الأوروبية العودة إلى الاعتماد الاستراتيجي على الغاز الروسي. وتنص التشريعات الأوروبية على وقف مشتريات الغاز من روسيا بالكامل بحلول نهاية عام 2027، فيما يتمثل الموقف الرسمي للاتحاد في عدم استئناف هذه المشتريات حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام كامل مع موسكو.

وفي هذا السياق، قال مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن، في تشرين الأول، إن الحظر يجب أن يكون دائماً، مضيفاً: “بالتأكيد لن أثق بروسيا، حتى لو تحقق السلام غداً”.

كما نقل التقرير عن مسؤول رفيع من إحدى الدول الإسكندنافية قوله إن استئناف شراء الغاز الروسي يتعارض مع كل ما تؤمن به أوروبا، فيما شبّه مسؤول من دولة أوروبية كبرى المقترح بسياسة الاسترضاء التي انتهجها رئيس الوزراء البريطاني السابق نيفيل تشامبرلين تجاه أدولف هتلر.

ولا تقتصر الرؤية الأميركية على إعادة تشغيل خطوط الغاز العابرة لأوكرانيا، إذ تنظر إدارة ترامب أيضاً إلى احتمال إعادة تشغيل خطوط “نورد ستريم” ضمن تسوية أوسع مع روسيا. غير أن هذه الأنابيب تعرضت لأضرار جسيمة جراء التفجيرات التي وقعت في أيلول 2022، ما يجعل إعادة تشغيلها عملية تحتاج إلى وقت طويل، خلافاً لشبكة الأنابيب العابرة للأراضي الأوكرانية باتجاه سلوفاكيا والنمسا وألمانيا، والتي يمكن أن تعود إلى العمل بصورة شبه فورية.

وتراهن الإدارة الأميركية على أن أزمة الطاقة قد تدفع الدول الأوروبية إلى تخفيف اعتراضاتها على الخطة. فبحسب بيانات الاتحاد الأوروبي، تسببت الحرب في إيران حتى الآن بزيادة أعباء الإنفاق على الطاقة في القارة بنحو 100 مليار يورو.

وتواجه أوروبا ضغوطاً إضافية مع استمرار تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر في الخليج العربي، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة امتلاء مخزونات الغاز تحت الأرض 75%، ما يعني أن القارة مقبلة على فصل الشتاء بمخزونات تقل عن متوسط السنوات الـ9 الماضية.

وتشير الأرقام إلى أن روسيا تؤمّن حالياً 11% فقط من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي، بعدما كانت حصتها تبلغ 45% عشية الحرب في أوكرانيا، فيما يغطي الغاز الطبيعي المسال الأميركي نحو 30% من الاستهلاك الأوروبي.

ورغم هذه الضغوط، تتمسك الدول الأوروبية برفض إعادة الاعتماد على موارد الطاقة الروسية، وتصف هذه الخطوة بأنها “خطأ استراتيجي”. إلا أن دبلوماسيين يقدّرون أن موافقة أوكرانيا على استئناف تدفق الغاز، في إطار اتفاق لوقف إطلاق النار يمنع انهيار بنيتها التحتية للطاقة، قد تسهّل على الدول الأوروبية قبول المقترح.

وفي موازاة هذا الملف، تتصاعد المخاوف داخل حلف الناتو من أن تؤدي خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية إلى تدهور إضافي في العلاقات بين واشنطن وأوروبا.

وبحسب تقرير نشره موقع “بوليتيكو”، يخشى 5 دبلوماسيين في الحلف أن يدفع أي تراجع للجمهوريين ترامب إلى زيادة الضغوط بصورة كبيرة على حلفائه الأوروبيين. وتتمثل إحدى الفرضيات المطروحة في أن يؤدي تعثر الرئيس الأميركي في تمرير أجندته الداخلية داخل الكونغرس إلى تركيز اهتمامه على السياسة الخارجية والأمنية، حيث يتمتع بصلاحيات أوسع.

وقدّر 3 من هؤلاء الدبلوماسيين أن ترامب قد يأمر بسحب آلاف الجنود الأميركيين الإضافيين من أوروبا، في ظل مخاوف تتصل بالمراجعة الجارية لانتشار القوات الأميركية في القارة، والمقرر أن تنتهي بحلول كانون الأول.

ونقل “بوليتيكو” عن أحد الدبلوماسيين قوله: “قد يكون غاضباً جداً”، مضيفاً: “إذا حدث ذلك، فسيتخذ خطوات قاسية للغاية”.

ولا تتوقف المخاوف عند احتمال تقليص الوجود العسكري الأميركي، بل تشمل أيضاً خفض مساهمة الولايات المتحدة في الميزانية المشتركة للحلف، وتقييد آلية شراء الأسلحة المخصصة لأوكرانيا، إلى جانب تعميق التقارب مع روسيا.

وفي هذا الإطار، حذّرت أوانا لونغيسكو، المسؤولة السابقة في حلف الناتو، من أن ترامب قد يربط استمرار الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بموافقة دول القارة على تسوية سلام مع روسيا. ورأت أن هناك خطراً في أن يصبح انتشار القوات الأميركية ومستقبل أوكرانيا والترتيبات الأمنية الأوروبية جزءاً من صفقة أوسع بين ترامب وبوتين.

من جهتها، أشارت خبيرة الأمن جينيفر كافانا إلى أن أي تقليص واسع للقوات الأميركية سيضع أوروبا أمام صعوبات كبيرة في تعويض قدرات عسكرية أساسية، تشمل الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والاستخبارات والتزود بالوقود جواً والخدمات اللوجستية.

أما على المستوى القانوني، فيفرض القانون الأميركي قيوداً على خفض عدد القوات الموجودة في أوروبا إلى ما دون 76 ألف جندي، لكن الخبراء يختلفون بشأن مدى قدرة هذه القيود على الحد من قرارات الرئيس الأميركي.

كذلك، قد تفتح خسارة الجمهوريين على نطاق واسع الباب أمام تغييرات داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في ظل تصاعد الانتقادات داخل الكونغرس لأداء وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووجود تقديرات بأنه قد يغادر منصبه في أعقاب الهزيمة الانتخابية.

وفي حال حصول ذلك، قد تؤدي المرحلة الانتقالية داخل البنتاغون إلى تأخير القرارات المتعلقة بسحب القوات الأميركية من أوروبا، لأسابيع أو حتى أشهر.

وبين خطة إعادة الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية واحتمالات تقليص الوجود العسكري الأميركي، تبدو العلاقة بين واشنطن وأوروبا أمام اختبار مزدوج، عنوانه الطاقة والأمن، فيما يخشى الأوروبيون أن تتحول مصالح القارة ومستقبل أوكرانيا إلى أوراق تفاوض في أي تفاهم أوسع بين ترامب وبوتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى