
منذ سنوات، يتجدّد النقاش في لبنان حول مستقبل النظام السياسي، ومع كل أزمة تعود الفيدرالية إلى الواجهة باعتبارها حلاً محتملاً للخروج من الانقسام الطائفي والسياسي. ويذهب البعض أبعد من ذلك نحو طرح الكونفدرالية كصيغة تعطي لكل مكوّن لبناني هامشاً واسعاً من الاستقلالية. لكن خلف هذه الطروحات يبرز سؤال أساسي: هل تكمن أزمة لبنان فعلاً في شكل النظام الإداري والسياسي، أم في طبيعة الصراع السياسي نفسه؟
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المشكلة لم تكن يوماً فقط في توزيع الصلاحيات أو في هيكلية الدولة، بل في غياب التوافق الوطني حول مفهوم الدولة وسيادتها وقرارها السياسي. ولذلك، فإن تغيير شكل النظام إلى فيدرالي أو كونفدرالي لا يبدو كفيلاً وحده بحل الأزمة، بل قد يتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بصيغ مختلفة.
الفيدرالية: لماذا لا تشكّل حلاً فعلياً للبنان؟
في التجارب العالمية الناجحة، تقوم الفيدرالية على توزيع إداري وسياسي للصلاحيات ضمن دولة موحدة تمتلك قراراً مركزياً واضحاً في القضايا السيادية الكبرى، مثل السياسة الخارجية والدفاع وقرار الحرب والسلم. وهنا تكمن النقطة الجوهرية التي تجعل الفيدرالية غير قادرة على معالجة الأزمة اللبنانية.
فالمعضلة الأساسية في لبنان ليست مرتبطة فقط بإدارة المناطق أو بالخدمات المحلية أو بالتمثيل الإداري، بل بالخلاف العميق حول الخيارات السياسية الكبرى للدولة: موقع لبنان الإقليمي، علاقاته الخارجية، دوره في الصراعات المحيطة، وسلطة اتخاذ قرار الحرب والسلم. وهذه الملفات، حتى في أي نظام فيدرالي، تبقى حكماً بيد السلطة المركزية والدولة الاتحادية، لا بيد الأقاليم.
بمعنى آخر، إذا كان اللبنانيون مختلفين اليوم حول القضايا السيادية الكبرى، فإن الفيدرالية لن تُلغي هذا الخلاف، لأن القرار النهائي في السياسة الخارجية والدفاع سيبقى مركزياً. فهل ستحل الفيدرالية مثلاً الانقسام حول علاقة لبنان بالمحاور الإقليمية؟ وهل ستُنهي الخلاف حول السلاح أو حول الانخراط في النزاعات الخارجية؟ الجواب على الأرجح هو لا، لأن هذه الملفات لا تُدار محلياً بل وطنياً.
بل إن الفيدرالية قد تجعل الأزمة أكثر تعقيداً، لأنها ستخلق كيانات محلية مختلفة سياسياً وطائفياً، فيما تبقى القضايا السيادية محل نزاع في المركز. وعندها قد تنتقل الانقسامات من خلاف سياسي داخل دولة موحدة إلى صدام دائم بين أقاليم متناقضة في الرؤية والانتماء السياسي.
كما أن الفيدرالية تحتاج إلى حد أدنى من الثقة الوطنية المشتركة، وإلى اتفاق واضح على هوية الدولة ومصالحها العليا. وفي ظل غياب هذا التوافق، تصبح الفيدرالية مجرد إطار إداري فوق أزمة سياسية عميقة لا تزال من دون حل.
الكونفدرالية: مشروع تفكك لا استقرار
أما الكونفدرالية، فهي صيغة أكثر هشاشة، لأنها تقوم على اتحاد كيانات مستقلة نسبياً تتشارك بعض المصالح المحدودة. وفي الحالة اللبنانية، فإن هذا الطرح يحمل في جوهره اعترافاً بفشل مشروع الدولة الواحدة، ويفتح الباب أمام تكريس الانقسامات الطائفية والسياسية بصورة رسمية.
كما أن الكونفدرالية ستجعل كل منطقة أو مكوّن يبحث عن امتداداته وتحالفاته الخارجية الخاصة، ما يعني عملياً تحويل لبنان إلى مجموعة كيانات متنافسة ترتبط بمحاور إقليمية مختلفة. وعوض أن يكون هناك قرار وطني موحد، يصبح البلد أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والانقسامات الدائمة.
هل الحل في تطبيق اتفاق الطائف؟
وسط هذا الجدل، يبرز سؤال أكثر واقعية: ماذا لو جرى تطبيق اتفاق الطائف فعلياً بدل البحث المستمر عن أنظمة جديدة؟
فالطائف لم يكن مجرد اتفاق لإنهاء الحرب، بل تضمّن إصلاحات أساسية لم تُنفّذ حتى اليوم، أبرزها اللامركزية الإدارية الموسعة، وإنشاء مجلس شيوخ، والعمل التدريجي على الخروج من الطائفية السياسية. لكن القوى السياسية تعاملت مع الاتفاق بمنطق انتقائي، فطُبّقت البنود التي تخدم تقاسم السلطة، فيما أُهملت البنود الإصلاحية التي تؤسس لدولة قوية.
والأهم أن الطائف انطلق من فكرة أساسية: لا استقرار في لبنان من دون دولة مركزية تمتلك وحدها قرار السيادة والسلاح والسياسة الخارجية. ولذلك، فإن جوهر الأزمة اللبنانية يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على احتكار القرار الوطني، لا بمجرد إعادة رسم شكل النظام الإداري.
الخلاصة
إن الفيدرالية والكونفدرالية قد تبدوان للبعض حلولاً جذابة في ظل الانهيار الحالي، لكنهما لا تعالجان أصل الأزمة اللبنانية. فالمشكلة الحقيقية ليست في عدد الصلاحيات التي تمتلكها المناطق، بل في الانقسام حول هوية الدولة وقرارها السيادي وخياراتها السياسية الكبرى.
فالسياسة الخارجية وقرار الحرب والسلم سيبقيان، في أي نظام فيدرالي، بيد السلطة المركزية. وإذا كان الخلاف قائماً أساساً حول هذه القضايا، فإن الفيدرالية لن تحل الأزمة، بل قد تضيف إليها طبقة جديدة من الانقسام والتوتر.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: أي نظام نريد؟ بل: هل هناك إرادة فعلية لبناء دولة واحدة يمتلك قرارها الجميع وتحتكم فيها كل القوى إلى المؤسسات والقانون؟
وختاما اجزم ان ما يعيبنا ويعيقنا في لبنان هو انخفاض منسوب الوطنية والانتماء، فمصلحة الوطن تأتي بعد الطائفة والحزب والزعيم والمصالح الشخصية الضيقة… وأكثر من ذلك هناك ايضا من يضع مصلحة الوطن بعد مصالح اوطان ومشاريع أ خرى… حتى ان بعضهم لم يعترف بالكيان اللبناني ليومنا هذا !
غسان سعيد نصر




