
بلغ الإفلاس الإيراني حدّ إطلاق ثلاث مسيرات من العراق في اتجاه الأراضي السعودية… وإطلاق مسيرة في اتجاه مولد كهرباء قريب من محطة نووية، لأغراض سلميّة، في دولة الإمارات العربيّة المتحدة. مثل هذا التطور المتعلق برمزية المحطة النووية ذو ابعاد دولية نظرًا إلى كشفه خطورة “الجمهوريّة الإسلاميّة” على كل دولة من دول المنطقة.
يستحيل التفاوض مع إسرائيل عبر الإعتماد على كتاب قديم لا علاقة له بالعصر ولا بالمستجدات، في مقدمها أنّ إيران باتت تقاتل من إيران نفسها وليس عبر أدواتها في المنطقة، باستثناء لبنان… والعراق إلى حدّ ما
القراءة في كتاب قديم؟
ما قبل الحرب الباردة ليس كما بعد نهايتها. لم يعد العالم موضع تجاذب بين قطبين دوليين هما الولايات المتحدة من جهة والإتحاد السوفياتي من جهة أخرى. لا يمكن الإستهانة بأهمّية الصين، لكنّ لا بدّ في الوقت ذاته الإعتراف بأن لديها حسابات مختلفة عن تلك التي كانت لدى الإتحاد السوفياتي الذي سقط إقتصاديًا قبل سقوطه سياسيًا وعسكريًّا.
وضع الإتحاد السوفياتي نصب عينيه في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته تسجيل نقاط على الولايات المتحدة في كلّ منطقة من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط والخليج. ذهب لبنان ضحيّة تلك السياسة السوفياتية التي لم تستطع، لحسن الحظّ، حماية الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان في العام 1982. فإذا بالإتحاد السوفياتي ينتقم في مثل هذه الأيام من لبنان بمنعه من الذهاب بعيدًا في تطبيق اتفاق 17 أيار 1983 مستخدما سوريا ونظام حافظ الأسد الذي شجع على منع لبنان من التوصل إلى اتفاق يعيد له أرضه المحتلّة ويضمن نوعًا من السلام مع إسرائيل بديلًا من بقاء شريط محتلّ.
بالنسبة إلى لبنان، بحد ذاته، لا يجوز في أي شكل العودة إلى القراءة من كتاب قديم ذي صلاحيّة منتهية. كان هذا الكتاب صالحًا في الماضي. لا يتعلّق الموضوع بنهاية المرحلة السوفياتية فحسب، بل أنّه يتعلّق أيضًا بمرحلة جديدة تمامًا في أساسها التغيير الكبير الذي حصل في إسرائيل وما حلّ بإيران. خسرت إيران كلّ الحروب التي شنتها على هامش حرب غزّة.
قبل كلّ شيء، إنّ إسرائيل التي عرفناها، قبل “طوفان الأقصى”، أي يوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 لم تعد موجودة. هناك إسرائيل أخرى تعتبر أنّ لا مجال لتكرار تلك التجربة التي تعرّضت لها بسبب غزّة التي انسحبت منها كلّيا صيف العام 2005. دمّرت إسرائيل قطاع غزة كلّه تقريبًا. لا تزال تسيطر على ما يزيد على نصف مساحة غزّة. أكثر من ذلك، لم تعد إسرائيل مستعدة لأي نوع من التفاهمات مع “الحزب”، على سجية تلك التي كان معمولا بها قبل “حرب إسناد غزة”. لا سيما “قواعد الإشتباك” التي جعلت من جنوب لبنان صندوق بريد يصلح لتبادل رسائل بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” وإسرائيل.
رحلت الأيام التي كان فيها مصير لبنان يتقرّر في موسكو ودمشق كما حدث في 1983… ثمّ في طهران مع خروج الجيش السوري من البلد في 2005
الانتصار على اللبنانيين؟
من أجل إيجاد فائدة من المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيلية، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت لإعتماد كتاب جديد بلغة جديدة وذلك تفاديا لجعل مصير جنوب لبنان مثل مصير غزّة. يعني ذلك أوّلا التخلي عن لغة تقوم على وضع شروط على إسرائيل من زاوية من يوقف إطلاق النار أوّلًا. لدى لبنان مصلحة في وقف النار والبحث عن آلية للتخلّص من سلاح “الحزب”. إن التخلّص من هذا السلاح الإيراني ضرورة لبنانيّة قبل أن يكون ضرورة إسرائيلية… هذا في حال كان المطلوب تفادي مصير غزّة بالإعتماد على المساعدة أميركيّة. تعتبر تلك المساعدة، التي يستطيع لبنان اللجوء إليها، النقطة الإيجابيّة الوحيدة في ما يتعلّق بالبلد، خصوصًا في ضوء العلاقة المباشرة بين السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى والرئيس ترامب والإهتمام الذي يلقاه لبنان في دوائر وزارة الخارجية الأميركية بقيادة الوزير ماركو روبيو…
رحلت الأيام التي كان فيها مصير لبنان يتقرّر في موسكو ودمشق كما حدث في 1983… ثمّ في طهران مع خروج الجيش السوري من البلد في 2005. إضافة إلى ذلك، لم يعد ممكنا تجاهل نقطتين أساسيتين أولاهما أن سوريا تغيّرت كلّيا. لم تعد سوريا في الحضن الإيراني. لم يعد “الحزب” موجودا في سوريا التي كانت ممرًا أساسيًا له تنقل عبره إيران السلاح والمال إلى لبنان. أمّا النقطة الثانية، التي تستوجب التوقف عندها، فتتمثّل في أنّ أميركا تفصل بين الملفّين اللبناني والإيراني. يوجد رفض أميركي وإسرائيلي لإصرار “الجمهوريّة الإسلاميّة” على التفاوض مع “الشيطان الأكبر” باسم لبنان كما يريد نعيم قاسم ويطمح إليه علنا.
شيئًا فشيئًا يستعيد لبنان موقعه كدولة مستقلّة وإن بصعوبة كبيرة. تبدو تلك عملية شاقة دونها عقبات كثيرة. في مقدّم هذه العقبات إصرار “الحزب” في كلّ وقت على التأكيد أنّ سلاحه لم يكن يومًا سوى سلاح موجّه إلى لبنان واللبنانيين. لا يزال الحزب يعتقد أن الانتصار على الدولة اللبنانية، وعلى بيروت بالذات، خير بديل من الإنتصار على إسرائيل!



