سلايداتمقالات

“هندسة أمنية” للبنان تحت سقف البنتاغون

كتب طوني عيسى في هنا لبنان:

إذا لم يتولَّ الجيش اللبناني بنفسه تفكيك بنية “الحزب” العسكرية والأمنية، سواء منفرداً أو بالتعاون مع واشنطن، فإنّ إسرائيل ستقوم بهذه المهمة بضوء أخضر أميركي فاقع، لينتهي المطاف بتنفيذ الشروط ذاتها، ولكن بعد أن تستنزف الحرب ما تبقى من مقومات الدولة، في الجنوب والبلد ككل

كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

​الأبرز في نقاش الترتيبات الأمنية المرتقب في البنتاغون، بعد أسبوع، هو أنه سيطلق المسار نحو “هندسة أمنية” جديدة للواقع اللبناني. فالمفاوضات المنتظرة هناك تضع على الطاولة بنداً مفصلياً هو تغيير وظيفة الدولة والمؤسسة العسكرية اللبنانية لتحويلها إلى شريك ميداني في إنهاء حالة “حزب الله” العسكرية. وتحظى هذه المفاوضات بأهمية فائقة لدى واشنطن، لأنها ترتكز إلى اقتناع استراتيجي خلصت إليه الإدارة الأميركية، ومفاده أنّ وجود بنية “حزب الله” العسكرية الموازية للجيش يشكل عائقاً أمام تحقيق الرؤية الأميركية لأمن الشرق الأوسط. أي إنّ واشنطن تعتبر تفكيك بنية “الحزب” في لبنان جزء من عملية “الاستيعاب” التي تعمل لتنفيذها على مستوى الإقليم، من إيران إلى الضفاف الشرقية للمتوسط، والتي تهدف إلى تثبيت النفوذ ووضع المنطقة بكاملها في الفلك الأميركي.
لم يعد الأميركيون يكتفون بمطالبة لبنان بأن يتولى “من تلقاء نفسه” تطبيق القرار 1701، كما كانوا سابقاً، بل بدأوا يطرحون أنفسهم شركاء ميدانيين مع الدولة اللبنانية، في مهمة تفكيك بنية “الحزب”. ويعني ذلك دعوتها إلى الانتقال من دور “الحَكَم” في تنفيذ بنود “التفاهم” مع إسرائيل، إلى دور “المسؤولية التنفيذية” عن إنهاء حالة “الحزب” العسكرية، بمساندة مباشرة من واشنطن.
هذه الشراكة الأميركية الميدانية تضع ​”حزب الله” أمام خيارين: إما القبول بتفكيك سلاحه، وإما المواجهة الخطرة المتعددة الجبهات، مع الجيش والقوى الداخلية الرافضة لسلاحه والأميركيين والإسرائيليين الذين سيعودون إلى ما يسمونه “الخطة الأصلية”، أي توسيع الحرب إلى حدود غير معروفة، بهدف تفكيك بنية “الحزب”. وإذا كانت الدولة تخشى من حصول مواجهة داخلية إذا التزمت بالخطة، فإنّ رفض الخطة سيكون أخطر، إذ إنها ستتسبب في رفع الغطاء الأميركي عنها وعن البلد والمفاوضات، ما يشكل مبرراً مثالياً لإسرائيل كي تنطلق بعملية عسكرية لا تُعرف حدودها، ولا تميّز بين سلاح “الحزب” وبنية الدولة.
​ولكن، بعيداً من المواقف الرافضة والعالية السقف، يدرك “حزب الله” أنّ أي مفاوضات مع إسرائيل، حتى لو تولاها هو- افتراضاً- ستؤدي إلى النتيجة ذاتها، أي نزع السلاح. وفي الواقع، إنّ إصرار “الحزب” على الحرب أو ما يسميه “المقاومة” كخيار وحيد ليس نابعاً من ثقته في أنه قادر على الصمود ميدانياً أو فرض الشروط. وعلى العكس، هو يعرف جيداً أنّ كل ساعة قتال يخوضها تعني توسيعاً حتمياً للسيطرة الإسرائيلية أمتاراً إضافية. لكنه لا يتورع عن استخدام أسلوب الرفض السياسي والإعلامي، لغايات أخرى:
1- الالتزام التام والتلقائي بإرادة طهران، سواء في إشعال الحرب أو وقفها، أو دخول المفاوضات أو رفضها.
2- المزايدة على الدولة اللبنانية وتخوينها لقطع الطريق على عملية نزع سلاحه.
3- “شراء الوقت” لعل ظروفاً إقليمية أو دولية تتيح له الحفاظ على ما أمكن من مكتسبات قديمة.
4- الإيحاء بأنه هو نفسه المؤهل للتفاوض مع إسرائيل وإنتاج تسويات حقيقية، على غرار مفاوضات الترسيم البحري، وليس الدولة اللبنانية.
ولكن، على الأرض، كل المعطيات الميدانية تؤكد أنّ المعادلات التي يراهن عليها “الحزب” قد انقلبت تماماً، داخلياً وإقليمياً ودولياً، ولم تعد تسمح له بتحقيق الانقلابات. وبات أي تأخير في وقف الحرب سبباً في توسيع الخط الأصفر الإسرائيلي وتنفيذ المزيد من الضربات والتصفيات وإفراغ مناطق جديدة. وفي الواقع، لم يعد “الحزب” يملك أوراق قوة حقيقية يستطيع استخدامها.
وثمة من يقول: افتراضاً، حتى لو كان “الحزب” نفسه يفاوض إسرائيل، في شكل مباشر أو غير مباشر، في واشنطن أو في أي مكان آخر، فإنه سيواجه المصير ذاته، إذ لم يعد في جعبته أي مخرج سحري من استحقاق نزع السلاح. وعقدته لا تكمن في هوية من يفاوض، بل في تحطم موازين القوى السابقة، بفعل الحرب التي أطلقها هو نفسه ويصر عليها، والتي أفرزت وقائع جديدة لا يمكن إنكارها أو العودة عنها من دون ثمن.
“الهندسة الأمنية” الجديدة التي سيجري بحثها تحت سقف البنتاغون، بعد أسبوع، ترتكز إلى قوة الأمر الواقع الجديد الناشئ في الجنوب. وإذا لم يتولَّ الجيش اللبناني بنفسه تفكيك بنية “حزب الله” العسكرية والأمنية، سواء منفرداً أو بالتعاون مع واشنطن، فإنّ إسرائيل ستقوم بهذه المهمة بضوء أخضر أميركي فاقع، لينتهي المطاف بتنفيذ الشروط ذاتها، ولكن بعد أن تستنزف الحرب ما تبقى من مقومات الدولة، في الجنوب والبلد ككل.
في عبارة أخرى، ما يدور اليوم في الحضن الأميركي، في شكل حصري ومن دون تغطية دولية أو شراكة أوروبية أو عربية، ليس “مفاوضات” بالمعنى التقليدي، بل هو إعادة هيكلة لدور الدولة في إنهاء حال الحرب، من طريق إنهاء سلاح “الحزب” وصياغة الآليات المناسبة لهذه المهمة. وهذا التحدي يضع لبنان على مفترق حاسم: هل يستفيد من الشراكة الأميركية لتدارك المزيد من الخسائر، أم يندفع انتحارياً إلى الفوضى الشاملة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى