سلايدات

من النبطية إلى الليطاني… الرسائل الخفية وراء معركة الشقيف

رغم الأهمية العسكرية والمعنوية التي تمنحها إسرائيل لإعادة السيطرة على قلعة الشقيف بعد 26 عاماً على الانسحاب منها، يرى مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تمثل حلاً للمشكلة الاستراتيجية التي تواجهها تل أبيب في لبنان، والمتمثلة بوجود حزب الله وقدراته العسكرية المتنامية، ولا سيما في مجال المسيّرات.

وبحسب تحليل للعميد الاحتياط أور هوروفيتس، الرئيس السابق لفرع حزب الله في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، نشره موقع “يسرائيل هيوم”، فإن قلعة الشقيف أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد التاريخي للمنطقة منذ القرن الثاني عشر، عندما بناها الصليبيون فوق قمة ترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، ما منحها موقعاً استراتيجياً يسيطر على محيطها.

وأشار هوروفيتس إلى أن القلعة انتقلت بين جهات مختلفة على مرّ السنين، قبل أن تتحول إلى أحد أبرز الرموز الراسخة في الذاكرة الجماعية الإسرائيلية إلى حين إخلائها عام 2000. إلا أن قوات من وحدة الاستطلاع التابعة للواء “غولاني” أعادت السيطرة عليها هذا الأسبوع، بعد 26 عاماً على مغادرتها.

واعتبر أن لهذه الخطوة أهمية تكتيكية وعملانية واضحة، نظراً إلى موقع الشقيف المرتفع وأهميته الاستراتيجية، مشيراً إلى أن السيطرة عليه من شأنها تعزيز الدفاعات الأمامية للجيش الإسرائيلي على الحدود الشمالية، وتقليص قدرة حزب الله على تنفيذ عمليات تسلل نحو إسرائيل أو شن هجمات بالصواريخ المضادة للدروع أو عمليات قنص.

وأضاف أن السيطرة على الموقع قد تجعل من الصعب على حزب الله خرق تفاهمات وقف إطلاق النار أو نقل قوات عسكرية إلى جنوب نهر الليطاني.

ورأى أن للعملية أبعاداً معنوية ونفسية كبيرة، خصوصاً أن القلعة تشرف على مدينة النبطية، التي وصفها بأنها أكبر مدينة شيعية في جنوب لبنان وأحد أبرز معاقل حزب الله.

وبحسب التحليل، فإن عودة الجيش الإسرائيلي إلى أحد أبرز رموز “الشريط الحدودي” السابق تحمل رسالة إلى حزب الله والدولة اللبنانية مفادها أن إسرائيل مستعدة لتوسيع وجودها البري شمال الليطاني إذا اقتضت الحاجة، بهدف نزع سلاح حزب الله، حتى في ظل وقف إطلاق النار الحالي والضغوط الأميركية.

إلا أن هوروفيتس شدد على عدم المبالغة في أهمية هذه الخطوة، مؤكداً أن إعادة احتلال الشقيف لا تغيّر جوهر المشكلة الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل في لبنان.

وأوضح أن هذه المشكلة تتمثل بوجود حزب الله، الذي وصفه بأنه تنظيم مدعوم من إيران ويحظى بتأييد داخل أوساط واسعة من الطائفة الشيعية في لبنان، ويملك القدرة على تهديد إسرائيل من مختلف الأراضي اللبنانية، ويرفض حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

وأضاف أن أي سيطرة على موقع محدد، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن تحل هذه المعضلة بمفردها.

وفي موازاة ذلك، اعتبر أن تهديد المسيّرات بات أحد أبرز التحديات العملياتية التي تواجه الجيش الإسرائيلي في لبنان، مشيراً إلى أن هذا الخطر لا يخضع لقواعد الحرب التقليدية.

ورجّح أن يواصل حزب الله استخدام المسيّرات ضد القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان، مستفيداً من مزايا الحرب غير المتكافئة التي توفرها هذه الوسائل.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي قد يستفيد من سيطرته على الشقيف لتنفيذ عمليات ضد مراكز القوة المرتبطة بمنظومة تشغيل المسيّرات، إلا أنه رأى أن ذلك لن يكون أكثر من “حل مؤقت” للمشكلة.

ولفت إلى أن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية تستطيع بلوغ مدى يصل إلى 50 كيلومتراً، فيما يمكن للمسيّرات المعتمدة على شبكات الهاتف الخلوي الوصول إلى مسافات تبلغ 2000 كيلومتر.

كما تناول التحديات اللوجستية المرتبطة بالموقع، مشيراً إلى أن الشقيف يعد موقعاً معزولاً نسبياً، وأن الوصول إليه يتطلب خطوط إمداد طويلة وبطيئة ومعقدة وقابلة للاستهداف.

وذكّر بأن جزءاً كبيراً من الخسائر التي تكبدها الجيش الإسرائيلي خلال وجوده السابق في جنوب لبنان ارتبط باستهداف قوافل الإمداد التي كانت تتجه إلى المواقع العسكرية.

ومن هذا المنطلق، رأى أن الجيش الإسرائيلي سيكون مطالباً بحماية ليس فقط الموقع نفسه، بل أيضاً الطرق المؤدية إليه، منعاً لتحول السيطرة عليه من نقطة قوة إلى نقطة ضعف.

وخلص هوروفيتس إلى أن إعادة السيطرة على الشقيف تمثل خطوة مهمة ضمن النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، لكنها لا توفر بحد ذاتها تفوقاً استراتيجياً حاسماً في المواجهة مع حزب الله.

وأضاف أن إسرائيل تحتاج، من وجهة نظره، إلى حرية عمل كاملة في مختلف أنحاء لبنان لمواجهة نشاط حزب الله، بالتوازي مع تحرك سياسي فاعل يستفيد مما وصفه بالأزمة التاريخية التي يمر بها الحزب، في ظل تراجع الدعم له، وفقدانه حليفاً أساسياً في سوريا، وتزايد الضغوط الداخلية اللبنانية عليه.

وختم بالتأكيد أن التركيز على استعادة الشقيف لا يجب أن يحجب التحديات الأوسع التي تواجهها إسرائيل في لبنان، معتبراً أن المعركة الحقيقية لا تُحسم بالسيطرة على موقع واحد، مهما كانت رمزيته العسكرية والتاريخية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى