
كتب طوني عيسى في الجمهورية:
ثمة هواجس جديدة بدأت تنطلق في موازاة المسار الذي تسلكه العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وحدود التوغل الجغرافي والسيطرة بالإشغال والنار على نقاط الارتكاز الحاكمة. ومع اقتراب موعد جولة المفاوضات المقرّرة في وزارة الخارجية الأميركية في الثاني والعشرين من حزيران الجاري، يُخشى أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع ميدانية قاسية قبل الجلوس إلى الطاولة، بعدما انتقلت بطموحاتها من الليطاني إلى الزهراني.
يجدر التفكير عميقاً بما أوردته «جيروزاليم بوست» أمس. قالت إنّ هدف الجيش الإسرائيلي في لبنان لم يعد يتمثل في نزع سلاح «حزب الله» بالكامل، الذي تعتبره بعض الأوساط الأمنية الإسرائيلية غير واقعي، بل في دفع «الحزب» إلى عمق الأراضي اللبنانية، بما يقلّص بصورة كبيرة التهديدات التي تواجه المستوطنات والبلدات الإسرائيلية الحدودية. ولذلك، تقول الصحيفة، إنّ القوات الإسرائيلية تقدّمت خلال الأسابيع الأخيرة إلى ما بعد نهر الليطاني، وباتت تقترب من نهر الزهراني. ومع بقاء الزهراني على مسافة نحو 6 كيلومترات فقط، ومدينة النبطية على بعد 3 كيلومترات.
هذا الكلام يتقاطع مع تقدير أوساط بعض الخبراء العسكريين في لبنان، أنّ أي تفكير إسرائيلي جدّي بالسيطرة المستدامة على المنطقة الممتدة حتى نهر الزهراني، سيقود إلى عدم الاكتفاء بنقاط السيطرة الحالية. وعلى رغم من إحكام الجيش الإسرائيلي سيطرته على مرتفع قلعة الشقيف، والضغط المستمر في اتجاه كفرتبنيت وتلة علي الطاهر الاستراتيجية، فإنّ هذه التمركزات تبقى، في المنظور العسكري، مكشوفة وساقطة نارياً تحت وابل الاستهداف الصاروخي والمدفعي من مرتفعات إقليم التفاح، حيث يتمتع «حزب الله» بحضور عسكري وتمرّس دفاعي تاريخي، وسط بيئة جبلية معقّدة وحصينة.
انطلاقاً من هذا الواقع، تبرز فرضية عسكرية مفادها، أنّ الاستمرار في التمركز تحت المرتفعات سيكبّد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية فادحة. ولتلافي هذا المأزق، قد يتّجه التفكير العملياتي الإسرائيلي نحو خيار أكثر شراسة وخطورة، وهو الصعود نحو جبال إقليم التفاح والسيطرة على أعالي مرتفعاته.
ويمثل التمدّد نحو أعالي الإقليم، وتحديداً السيطرة على المثلث الاستراتيجي كفرحونة ـ إقليم التفاح ـ مشغرة، الهدف الأقصى الذي يمنح الطرف المسيطر ميزة الإشراف البصري والناري الشامل. فمن الناحية التكتيكية، يتيح هذا المرتفع، غرباً وجنوباً الإشراف الكامل على الساحل اللبناني وعموم المنطقة الممتدة حتى الحدود مع إسرائيل. ووشرقاً كشف البقاع الغربي بكامله وصولاً إلى الحدود السورية.
وهذه المعطيات تثير هواجس جدّية لدى المحللين وصنّاع القرار في بيروت، من إمكان سعي إسرائيل إلى استعادة «ستاتيكو» شبيه بما كان سائداً قبل العام 2000، عندما كان الجنوب مقسوماً بين «شريط حدودي» تمسك به إسرائيل مباشرة، ومنطقة جزين والجوار التي كانت تخضع لسيطرة وإشراف أمني وعسكري بمستويات متفاوتة لتأمين حماية العمق.
والوقائع التي ترتسم على الأرض بالقضم التدريجي المتواصل، تسابق عقارب الساعة الديبلوماسية. وإذا ما نجح الجيش الإسرائيلي في فرض هيمنته على هذه المرتفعات الحاكمة قبل جلسة 22 الجاري، فإنّ هامش المناورة المتاح للمفاوض اللبناني سيتقلّص إلى حدوده الدنيا. وبحسب المسار الحالي، فإنّ الانتقال من جولة مفاوضات إلى أخرى في ظل استمرار التوغل، قد يؤدي إلى سياسة فرض الأمر الواقع، بحيث يضيق الهامش اللبناني إلى حدّ الاختناق، وتصبح كل السيناريوهات القاسية واردة على الطاولة.
وفي المحصلة، يتبدّى سباق ساخن وغير متكافئ بين الماكينة الإسرائيلية التي تمضي في قضم لبنان، وماكينة السلطة اللبنانية التي تذهب إلى تفاوض معقّد في واشنطن، معتمدة بشكل شبه كامل على المساعدة الميدانية الأميركية، لكنها في الواقع تفاوض بلا أوراق قوة حقيقية، لأنّ آليات فرض القرار السياسي، والإمساك الفعلي بقرار الحرب والسلم، وضبط مسألة السلاح، معطلة بكاملها، تحت وطأة الانقسامات التي لا أفق لها سوى الخراب.




