سلايدات

الفيدرالية اصبحت اقرب من حبل الوريد مسيحيا… سنخسر التعايش

يعترف المسيحي بأنه أخطأ عندما دخل الحرب الأهلية، لكنه يقول: “لم أكن أتصور أن هناك لبنانيين يريدون أن يكونوا مع فلسطين على حساب لبنان”، ويردد: دخلنا الحرب لأن الشيعي أيضًا كان يريد الخلاص من ياسر عرفات وحروبه.

المسيحي، عندما يعلن اليوم الفيدرالية، يعلن بوضوح وصراحة أن لبنان الكبير لا يقوم إلا بجناحيه المسيحي والشيعي، أو كأنه يقول: “إذا كان الشيعي هذا إيمانه ودوره السياسي في صراع المنطقة، الذي لا يلتقي مع المسيحيين، فلم يعد هناك من داعٍ للبنان الكبير”.

ثمة مطالبة حقيقية ستدفع غالبية المسيحيين نحو تطبيق الفيدرالية. يقول مثلث الرحمات البطريرك صفير: “إذا خُيّرنا بين العيش المشترك والحرية، نختار الحرية بلا تردد”. وعندما سألت أحد الآباء الموارنة عن مقولة البطريرك صفير، قال لي: “إن كلام أبينا البطريرك لا يلغي العيش المشترك، الذي هو جوهر وعلة وجود لبنان، بل يوضح أنه لا يمكن بناء عيش مشترك حقيقي في ظل القمع أو الإكراه أو غياب التكافؤ”، ونحن نشعر بهذا الشعور منذ عام 1990.

يشعر المسيحيون اليوم بأنهم فقدوا نمط عيشهم، وربما دورهم، رغم أنه لا يوجد ما يعوض الدور المسيحي، ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة بأسرها. ويبدو أن الشيعة والمسيحيين لن يتمكنوا من الاستمرار معًا؛ فللمرة الأولى منذ 1400 عام على التشيع، وقبلها بمئتي سنة، يشعر قسم كبير من المسيحيين بأنه لم يعد قادرًا على استكمال المسيرة مع الشيعة في مشروع “لبنان الكبير”.

الشيعي قادر على تقديم عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، لكن المسيحي لم يعد يستطيع تحمل فاتورة الشرق الأوسط والصراع من أجل فلسطين أو غيرها. المسيحي يريد الحياد، وأن يكون بسلام مع الجميع، لكنه لا يستطيع الاستمرار في العيش وسط الحروب والصراعات. المسيحي يريد أن يعيش على “الهدا”، ويكبر بهدوء، ويستيقظ على صوت فيروز، ويغفو على صوت وديع الصافي.

الشيعي قادر على تحمل كل الظروف، أما المسيحي فيعمل منذ 2000 عام كي لا يكرر نكباته وجراحه، ولا يريد الألم، لا للمسيحيين خاصة، ولا للبنانيين عامة، ولا لأحد في الدنيا.

وكما يؤمن المسلم بأن الجهاد فرض ديني، يؤمن المسيحي أيضًا بأن السلام فرض ديني، حتى مع أعدائه. يريد أن يحمل صليبه نحو السلام، ولا يريد الحرب. هناك مشكلة في فهم العقل المسيحي. فالمسيحي ليس جبانًا ولا متخاذلًا، لكن هذا دينه، وهذه نشأته وتربيته، إذ يبحث عن السلام والاستقرار من دون حرب. وقد تحمل المسيحي اضطهاد النظام السوري 20 سنة، واعتكف عن السياسة، ورفض الوزارات والنيابة، وقاطع الانتخابات.

إننا بحاجة ماسة إلى إيجاد حل يضمن بقاءنا معًا؛ فالمسيحي لا يكره الشيعي، وبالتأكيد الشيعي لا يكره المسيحي، لكن هناك سوء تفاهم، وحوارًا مقطوعًا، وأبواقًا تحرّض عن غباء، وفي الختام سنخسر جميعًا.

منذ عام 1997 وأنا أحاول الجمع بين الموارنة والشيعة، وكانت هناك شخصيات مارونية كثيرة تشجعني وتساعدني على النجاح في هذا المسعى؛ لأن الماروني يدرك أن لبنان أغلى من روحه، وأنه بلا لبنان لا وجود له ولا قدرة له على العيش. كما يدرك أن اللبنانيين جميعًا هم من يشكلون هذا الوطن، وخصوصًا الشيعة. وعندما اتفق الماروني مع الشيعي، أراد أن نكون معًا في لبنان لأننا أقليات في هذا المشرق، ولا قيمة لنا خارج إطار هذا الوطن.

إن لبنان هو الوطن الوحيد الذي منح الشيعة مركزًا ومكانة، وهو الذي جعل لهم صوتًا في المحافل العالمية. واليوم، تسيطر القطيعة على العلاقة بين الطرفين، وإن وجد تواصل فهو بفضل أشخاص يُعدّون على أصابع اليد، وهم بعيدون عن الأحزاب الشيعية.

ثمة سوء تفاهم وحوار مقطوع؛ لذا أعطونا فرصة، لعلنا نتمكن من تفعيل لغة الحوار مجددًا. ساعدونا لنحاول، فلا بديل عن المحاولة للبقاء معًا. أنا وغيري من القادرين يمكننا أن نفعل شيئًا إذا مُنحنا الهامش المطلوب. من المؤسف أن نخسر التعايش؛ لأنه إذا انكسرت الجرة فلن يعود هناك ما يجمعها، أو على الأقل لن تعود كما كانت.

لم يطلب مني الشيعة يومًا أن أكون وسيطًا لتقريب وجهات النظر مع المسيحيين، لكن لا أحد ينكر أن بعض المسيحيين، موارنة ورومًا، طلبوا مني وحثوني دائمًا على العمل في هذا الاتجاه. ربما أكون في نظر طائفتي جاهلًا، لكن ما دام لي قبول عند المسيحيين، فلتستفد طائفتي من هذا القبول. لقد تعبت من المحاولة وحيدًا، وأشعر في عنقي بدين وأمانة حملني إياها الرجل العظيم الأباتي الدكتور أنطوان ضو، والجميع يعلم كم ضحى الأباتي من أجل استمرار هذا التعايش بصفائه ونقائه وديمومته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى