
قالت صحيفة “جيروزاليم بوست” إن الاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل يثير مخاوف جدية من تكريس حالة جمود مستدام، بدل أن يشكل حلًا فعليًا للصراع القائم بين إسرائيل وحزب الله.
وبحسب الصحيفة، فإن جوهر القلق يكمن في ربط انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بشرط يعتبره مراقبون وسياسيون لبنانيون صعب التحقيق، وهو نزع سلاح حزب الله.
وترى الصحيفة أن الاتفاق يقوم في أساسه على معادلة لا يراها كثيرون قابلة للتنفيذ، خصوصًا أن حزب الله يرفض بشكل قاطع التخلي عن سلاحه، فيما لا تملك أي حكومة لبنانية، بحسب تقديرات محللين، القدرة أو الإرادة لفرض هذا الأمر بالقوة.
وحذّر محللون سياسيون من أن الاتفاق قد يمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا للبقاء عسكريًا في جنوب لبنان لفترة مفتوحة، في ظل استمرار رفض حزب الله نزع سلاحه، ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة معقدة بين التزامات لا تستطيع الوفاء بها، وسيادة لا تستطيع استعادتها بالكامل.
ويصف سياسيون لبنانيون الاتفاق بأنه “تسوية مفروضة” أكثر منه اتفاقًا متوازنًا، معتبرين أن الجيش اللبناني غير مؤهل، من الناحيتين الهيكلية والتجهيزية، لمواجهة حزب الله أو نزع سلاحه، وأن تكليفه بمهمة من هذا النوع يتجاهل قدرات الحزب العسكرية والتوازنات الداخلية الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار في لبنان.
ويرى محللون أن التصميم الهيكلي للاتفاق يعكس خللًا واضحًا، إذ يحمّل لبنان التزامات واسعة في مقابل غياب ضمانات مماثلة أو متبادلة تفرض على إسرائيل انسحابًا فعليًا وواضحًا. ومن هنا يعتبر بعضهم أن الاتفاق “ولد ميتًا” من الناحية العملية.
وأشار مراقبون إلى أن إسرائيل عززت بالفعل منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات، ما قد يمنحها شرعية دبلوماسية لتحويل هذا الواقع إلى منطقة نفوذ دائمة، في خطوة وصفها البعض بأنها “هدية سياسية” لإسرائيل.
كما حذّر سياسيون ومحللون من أن أي محاولة لنزع سلاح حزب الله بالقوة، سواء عبر الجيش اللبناني أو عبر أي آلية أخرى، قد تدفع البلاد نحو صراع داخلي وفتنة طائفية، خصوصًا أن الحزب يمثل قوة وازنة داخل الطائفة الشيعية في لبنان.
ويخشى هؤلاء أن يدفع الاتفاق البلاد نحو انفجار داخلي جديد، في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، ومن هشاشة مؤسساتية تجعل أي مواجهة داخلية مفتوحة مكلفة على الجميع.
ويرى محللون إقليميون أن الاتفاق، بصيغته الحالية، قد يشرعن وجودًا عسكريًا إسرائيليًا مفتوحًا في جنوب لبنان، لأن تفكيك حزب الله بالكامل يبدو، بحسب تقديراتهم، أمرًا غير قابل للتحقق في المدى المنظور، ما يعني أن الانسحاب الإسرائيلي قد يبقى مؤجلًا من دون سقف زمني واضح.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن اتفاقًا أضيق نطاقًا، يركز على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني ونشر الجيش اللبناني في تلك المنطقة، كان يمكن أن يكون أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، بدل ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بهدف واسع ومعقد يتصل بنزع سلاح الحزب في لبنان كله.
وتأتي هذه القراءة في ظل تصاعد الجدل الداخلي حول اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بين من يعتبره فرصة لاستعادة سلطة الدولة وفتح مسار الانسحاب، ومن يراه اتفاقًا محفوفًا بالألغام السياسية والأمنية، قد ينقل الأزمة من الحدود إلى الداخل اللبناني.
وبذلك، لا تبدو المشكلة في الاتفاق مرتبطة فقط ببنوده المكتوبة، بل بقدرته على الصمود أمام الواقع اللبناني المعقد. فالانسحاب الإسرائيلي، وفق هذه الصيغة، لم يعد خطوة مستقلة أو تلقائية، بل بات مشروطًا بمسار داخلي شديد الحساسية، ما يجعل الاتفاق أمام اختبار صعب بين التهدئة المعلنة والجمود الطويل.




