
لم تعد الحرب بين إسرائيل وإيران مجرد ملف في السياسة الخارجية الأميركية، بل تحولت إلى أحد أبرز عوامل الانقسام داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، مع اتساع الخلافات حول دعم إسرائيل، والتعامل مع إيران، ودور الولايات المتحدة في العالم، في معركة يتوقع مراقبون أن ترسم ملامح انتخابات الكونغرس المقبلة والسباق الرئاسي لعام 2028.
وبحسب تقرير نشره موقع “N12” الإسرائيلي، فإن قضيتي إسرائيل وإيران باتتا تؤثران بصورة مباشرة في الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، فيما ترجح تقديرات صحيفة “نيويورك تايمز” أن تلعبا دورًا محوريًا في معظم المعارك السياسية التي تسبق انتخابات التجديد النصفي، وأن تسهما أيضًا في رسم هوية المرشح الذي سيخلف الرئيس دونالد ترامب في انتخابات عام 2028.
وأشار التقرير إلى أن الجدل حول السياسة الخارجية الأميركية تجاه إسرائيل وإيران يعمّق الانقسامات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ليصبح أحد أكثر الملفات تأثيرًا في المشهد السياسي الأميركي.
وفي الحزب الديمقراطي، ترك الخلاف حول إسرائيل أثرًا واضحًا، بعدما خسر عضوان حاليان في الكونغرس من نيويورك الانتخابات التمهيدية أمام مرشحين اتهموهما بعدم توجيه انتقادات كافية لإسرائيل. ويأتي ذلك على خلفية تراجع ملحوظ في مستوى تأييد إسرائيل بين الناخبين الديمقراطيين منذ اندلاع الحرب في غزة قبل نحو 3 سنوات.
وفي المقابل، يشهد الحزب الجمهوري أيضًا خلافات حادة بشأن إسرائيل وإيران، ولا سيما داخل معسكر “أميركا أولًا” الذي يقوده ترامب. فعدد من أنصار التيار الانعزالي، الذين دعموا ترامب بسبب وعوده بتجنب الحروب الخارجية، أعربوا عن خيبة أملهم من قراره التدخل في الحرب مع إيران، معتبرين أن هذا التدخل أسهم أيضًا في ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار داخل الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه الأجواء، يتصاعد الصراع داخل قيادة الحزب الجمهوري، في ما يُنظر إليه على أنه بداية المنافسة على خلافة ترامب.
ويبرز في هذا السياق نائب الرئيس جاي دي فانس، الذي يمثل تيارًا معارضًا للحرب، ويدعم التوصل إلى تسوية مع إيران والتركيز على القضايا الداخلية الأميركية، كما وجّه انتقادات حادة إلى وزراء في الحكومة الإسرائيلية بسبب اعتراضهم على الاتفاق مع إيران.
في المقابل، يعزز وزير الخارجية ماركو روبيو حضوره داخل الحزب من خلال إظهار دعم واسع لإسرائيل، مع إبداء تحفظ ضمني على الاتفاق مع إيران، إلى جانب مواصلة الدفع نحو تحركات عسكرية أميركية في مناطق مختلفة، بينها كوبا.
ولم يعد الخلاف مقتصرًا على الحرب نفسها، إذ برزت نقطة خلاف جديدة بعد شروع إدارة ترامب في التفاوض مع إيران، حيث وجّه جناح الصقور في الحزب الجمهوري انتقادات للرئيس، معتبرًا أن الحرب لم تحقق أهدافها، ولم تلحق ضررًا كافيًا بالقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، كما أنها لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام في طهران.
وترى “نيويورك تايمز” أن هذه الانقسامات بدأت تؤثر بالفعل في نتائج الانتخابات التمهيدية، إذ يخسر بعض الديمقراطيين المعتدلين مقاعدهم، فيما يواجه مرشحون آخرون مخاطر مماثلة في الاستحقاقات المقبلة. وفي المقابل، يمتنع جزء من الناخبين الجمهوريين عن المشاركة في التصويت، وهي ظاهرة قد تنعكس سلبًا على الحزب إذا استمرت حتى الانتخابات العامة في تشرين الثاني.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه التطورات تدفع المعارضين داخل الحزبين إلى محاولة إعادة صياغة الهوية الفكرية والبرنامج السياسي لكل منهما، في معركة مرشحة للاستمرار حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وفي الحزب الديمقراطي، أثار نجاح مرشحي اليسار الراديكالي في نيويورك قلقًا داخل القيادة الحزبية، بعدما منح الناخبون الترشيح لاثنين من الاشتراكيين الديمقراطيين المعروفين بمواقفهما شديدة الانتقاد لإسرائيل.
وقال مات بينيت، أحد مؤسسي مركز الأبحاث الديمقراطي المعتدل “Third Way”، إن الحزب يعيش حالة من القلق خشية أن يؤدي صعود مرشحي اليسار المتطرف إلى إبعاد الناخبين اليهود والمعتدلين، مضيفًا أن الديمقراطيين مطالبون بإيجاد طريقة لمعالجة هذا الخلاف “حتى لا يؤدي إلى تفكيك الحزب”.
كما انتقد سكوت سترينغر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، بعض الخطابات المؤيدة للفلسطينيين الصادرة عن مرشحي اليسار، واعتبر أن جزءًا منها “معادٍ للسامية بشكل واضح”، محذرًا من اندلاع مواجهة داخلية إذا جرى توظيف معاداة السامية كأداة سياسية.
ورغم ذلك، فإن معظم انتصارات مرشحي اليسار تحققت حتى الآن في دوائر انتخابية تُعد آمنة للديمقراطيين، ما يعني أن ميزان القوى في الكونغرس لن يتغير على الأرجح في الوقت الراهن. لكن قيادة الحزب تخشى من فوز مرشحين يساريين في دوائر تنافسية، مع صعوبة استقطابهم للناخبين الوسطيين، الذين يُتوقع أن تتركز أولوياتهم على الملفات الاقتصادية.
وفي المقابل، يسعى مرشحون تقدميون في ولايات مثل كولورادو وميشيغان وويسكونسن إلى إثبات أن المرشحين ذوي التوجهات اليسارية قادرون على الفوز حتى في الولايات المتأرجحة واستقطاب جزء من ناخبي ترامب.
ويُنظر إلى الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان خلال آب المقبل على أنها اختبار مهم للديمقراطيين في سعيهم لاستعادة الأغلبية في المجلس. ويدعم زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر المرشحة المعتدلة هايلي ستيفنز في مواجهة المرشح التقدمي عبدول السيد.
ورأى الخبير في استطلاعات الرأي ريتشارد تشوبا أن نتائج نيويورك لا يمكن إسقاطها على ميشيغان، لأن طبيعة الناخبين مختلفة، موضحًا أنه رغم أهمية الحرب في غزة لدى كثير من الديمقراطيين، فإنها تأتي في أسفل قائمة القضايا التي تدفعهم إلى صناديق الاقتراع.
أما عبدول السيد، فاعتبر أن سكان ميشيغان يعيشون حالة الإحباط نفسها الموجودة في نيويورك، وقال إن الناخبين سئموا السياسيين الذين يفضلون جمع التبرعات من الشركات بدل معالجة غلاء المعيشة، وأسعار الغذاء، والإيجارات، وإمكانية امتلاك منزل، مضيفًا أن الحرب في غزة تمثل بالنسبة إليه قضية اقتصادية أيضًا، لأن دافعي الضرائب يدركون أن أموالهم تُستخدم لتمويل الحرب.
وفي الحزب الجمهوري، تظهر الانقسامات بوضوح، خصوصًا بين الأجيال المختلفة. ووفق استطلاع أوردته “نيويورك تايمز”، فإن 53% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا غير راضين عن أداء ترامب في الحرب مع إيران، بينما يؤيد ثلاثة أرباع الجمهوريين الأكبر سنًا سياسته.
ويعزو التقرير هذا الانقسام إلى التحول الذي شهده الحزب منذ وصول ترامب إلى السلطة عام 2016، إذ بُنيت شعبيته على رفض الانخراط العسكري الخارجي، بينما أثار دعمه الواسع لإسرائيل وقرار مهاجمة إيران اعتراض جزء من قواعد حركة “MAGA”.
وفي اليوم نفسه الذي فاز فيه المرشحون الاشتراكيون في نيويورك، أعلنت عضو الكونغرس السابقة مارجوري تايلور غرين مغادرة الحزب الجمهوري احتجاجًا على الحرب مع إيران، بعدما سبقها إلى ذلك الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون للسبب نفسه.
كما قالت الإعلامية ميغين كيلي إن المحافظين وجدوا أنفسهم يخوضون “ما يشبه حربًا أهلية داخلية” حول الملف الإيراني، رغم أن مكانة ترامب داخل الحزب لا تزال قوية، ومعظم المرشحين الذين يدعمهم يواصلون الفوز في الانتخابات التمهيدية.
وفي الأسابيع الأخيرة، عاد الاتفاق مع إيران ليصبح محور الجدل، بعدما انتقد عدد من الجمهوريين المتشددين انتقال إدارة ترامب إلى خيار التفاوض. ووصف مقدم البرامج في “فوكس نيوز” مارك ليفين الخطوة بأنها “واحدة من أكثر التحولات العسكرية والدبلوماسية إثارة للمفاجأة”.
كما خسر عضو الكونغرس الجمهوري توماس ماسي، أحد أبرز المعارضين للحرب مع إيران داخل الحزب، الانتخابات التمهيدية أمام مرشح حظي بدعم متبرعين مؤيدين لإسرائيل.
ويخلص التقرير إلى أن الصورة النهائية لحجم الانقسامات داخل الحزبين لن تتضح قبل انتخابات التجديد النصفي، وربما لن تظهر آثارها الكاملة إلا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2028، عندما يضطر المرشحون إلى تحديد مواقفهم من دور الولايات المتحدة في العالم، والعلاقة مع إسرائيل، والسياسة تجاه إيران.



