سلايدات

“فخّ جديد للبنان”… التنير: أي خطأ في روما قد يمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب!

في وقت يترقب فيه لبنان جولة جديدة من المفاوضات المرتبطة بتثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، تتزايد الأسئلة حول قدرة المسار الدبلوماسي على تحقيق نتائج ملموسة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وغياب أي ضمانات دولية حقيقية تلزم تل أبيب بتنفيذ تعهداتها، وبينما يواجه لبنان تحديات أمنية وسياسية متشابكة، تتقدم إلى الواجهة ملفات تتصل بمستقبل الجنوب، ودور الجيش اللبناني، وآليات تثبيت الاستقرار، فضلاً عن طبيعة الضمانات الدولية المطلوبة لمنع تكرار التصعيد.

في هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس أمناء مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات، العميد الركن المتقاعد تقي الدين التنير، أن المرحلة الراهنة تستوجب مقاربة لبنانية دقيقة في إدارة المفاوضات، بالتوازي مع العمل على تعزيز قدرات الجيش اللبناني بدعم عربي ودولي.

ويرى العميد التنير، أن المشهد العسكري في جنوب لبنان لا يزال يتسم بدرجة عالية من التوتر، وإن كان بوتيرة أقل مما كان عليه في الأشهر الماضية، معتبراً أن إسرائيل تواصل انتهاج سياسة التصعيد الميداني من خلال استهداف المدنيين والممتلكات، في موازاة استمرار ضغوطها السياسية والعسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويشير التنير، في حديثه، إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، سواء عبر تدمير المنازل والمنشآت أو استهداف المدنيين الذين يسعون إلى تأمين لقمة عيشهم، مستذكراً استشهاد مديرة إحدى المدارس، المربية سبيرنزا غندور أنسّو، وزوجها وخادمتها، إلى جانب عشرات الضحايا الآخرين. ويؤكد أن عدد الشهداء منذ السادس والعشرين من حزيران تجاوز السبعين، إضافة إلى عشرات الجرحى والمنازل المدمرة، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار إسرائيل في تجاهل القرارات الدولية والاتفاقات القائمة.

ويلفت إلى أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين تؤكد، برأيه، أن تل أبيب لا تزال تتعامل بمنطق القوة، ويستشهد بما صدر عن وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي أكد أن إسرائيل “لم تستأذن أحداً عندما دخلت، ولن تستأذن أحداً إذا بقيت أو انسحبت”، معتبراً أن هذا الكلام يشكل رداً مباشراً على المواقف الأميركية التي تحدثت عن احتمال انسحاب إسرائيلي من الجنوب اللبناني.

وفي ضوء ذلك، يرى التنير أن لبنان مقبل على مرحلة دقيقة من المفاوضات، ولا سيما مع الاجتماعات المنتظرة في روما، داعياً الوفد اللبناني إلى إدارة المفاوضات بأعلى درجات الحذر، عبر دراسة كل خطوة وكل كلمة، لأن إسرائيل، بحسب تعبيره، تعتمد المناورة السياسية والمراوغة لتحقيق أهدافها، ولا يجوز للبنان أن يرتكب أي خطأ يمكن استغلاله في هذه المرحلة الحساسة.

ويرى أن استمرار الرهان اللبناني على الولايات المتحدة باعتبارها الراعي والضامن لأي تفاهم لا يزال يطرح علامات استفهام، لأن الوقائع الميدانية، وفق رأيه، تظهر أن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من فرض تنفيذ أي ضمانات فعلية توقف الاعتداءات أو تلزم إسرائيل بالانسحاب أو احترام الاتفاقات.

وفي سياق متصل، يتوقف التنير عند الحرب النفسية التي تعتمدها إسرائيل، معتبراً أنها لا تقل خطورة عن العمليات العسكرية.

ويوضح أن تل أبيب تسعى إلى بث الخوف في نفوس اللبنانيين عبر الحديث المتكرر عن وجود قواعد ومنشآت وأنفاق وبنى تحتية عسكرية في مناطق مختلفة، كما تحاول فرض صورة ذهنية بأنها صاحبة السيطرة على بعض المناطق من خلال الرسائل الإعلامية والاستعراضات العسكرية، وصولاً إلى إرسال طائرات مسيّرة تحمل العلم الإسرائيلي فوق بعض المواقع، في محاولة لترسيخ انطباع بأن هذه المناطق باتت خاضعة لنفوذها.

وعن تلة علي الطاهر، يؤكد التنير أنها تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، لأنها تشرف على مساحات واسعة من محافظة النبطية والقرى المحيطة بها، ما يمنح من يسيطر عليها قدرة واسعة على الرصد والمراقبة، لكنه يشدد في المقابل على أن إسرائيل، رغم وجودها في بعض المحاور القريبة، لم تتمكن من فرض سيطرة شاملة على كامل النطاق الاستراتيجي في المنطقة.

وفي الشق السياسي، يعتبر التنير أن دعوة رئيس الجمهورية إلى اعتماد خيار المفاوضات لم تكن نابعة من موقع ضعف، بل هدفت إلى إحراج إسرائيل أمام المجتمع الدولي وإظهار أن لبنان يتمسك بخيار السلام العادل، بينما الطرف الإسرائيلي يرفض الالتزام بمقتضياته، إلا أنه يقر في الوقت نفسه بأن إطار المفاوضات الحالي لم يحقق النتائج المرجوة حتى الآن، لأن إسرائيل لم تنسحب من الأراضي التي تحتلها، واستمرت في فرض وقائع ميدانية جديدة.

ومن هذا المنطلق، يرى أن الأولوية يجب أن تكون لإلزام إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها، على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها وممارسة سلطته الكاملة، بما يسمح بعودة الأهالي وإعادة الحياة الطبيعية إليها، بالتوازي مع إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة.

ويشدد التنير على أن أي استقرار مستدام في الجنوب لا يمكن أن يتحقق من دون بناء جيش لبناني قوي وقادر، بدعم عربي ودولي واسع، سواء من خلال التسليح أو التدريب أو تطوير القدرات الدفاعية، مؤكداً أن امتلاك الجيش وسائل الدفاع لا يشكل تهديداً لأحد، بل يكرس سلطة الدولة وينزع الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير تدخلاتها العسكرية، كما يسقط أي مبرر لبقاء السلاح خارج إطار الدولة.

وفي هذا الإطار، يدعو إلى إنشاء برنامج متكامل لبناء المؤسسة العسكرية، بمساندة عربية ودولية، معتبراً أن الدول الصديقة قادرة على لعب دور أساسي في هذه العملية، سواء عبر التمويل أو التدريب أو التجهيز.

ويقترح أيضاً، خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق اكتمال بناء قدرات الجيش، تعزيز وجود قوة دولية رادعة تضم دولاً فاعلة مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة، بحيث تكون مهمتها الأساسية منع أي خرق أمني وردع أي اعتداء إسرائيلي أو أي محاولة لزعزعة الاستقرار في الجنوب، إلى حين استكمال جاهزية الجيش اللبناني للاضطلاع الكامل بمسؤولياته.

ويضيف أن تعزيز المؤسسة العسكرية لا يقتصر على التسليح فقط، بل يتطلب أيضاً ترسيخ العقيدة العسكرية الوطنية، وتجديد التأكيد على أن ولاء الجيش هو للبنان وحده، بعيداً عن أي اصطفافات أو انقسامات سياسية، بما يعزز ثقة اللبنانيين بمؤسستهم العسكرية.

وفي هذا السياق، يستنكر التنير الحملات التي تستهدف قائد الجيش، معتبراً أنها تهدف إلى ضرب العلاقة بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية وإضعاف المؤسسة العسكرية في لحظة دقيقة يواجه فيها لبنان تحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة.

ويؤكد أن الجيش اللبناني لا يتحرك إلا وفق قرارات السلطة السياسية المتمثلة بمجلس الوزراء مجتمعاً، وضمن الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تتحمل أعباءً تفوق قدراتها، إذ تتولى حفظ الأمن الداخلي، وحماية الحدود، وتأمين المناسبات الوطنية والدينية والرياضية، والمساهمة في أعمال الإغاثة وإصلاح البنى التحتية، رغم محدودية العديد والإمكانات.

ويرى أن الجيش يشكل اليوم الضمانة الأخيرة لوحدة لبنان واستقراره، محذراً من أن إضعافه أو استهدافه سيقود إلى تقويض السلم الأهلي وإضعاف موقع الدولة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

ويعتبر التنير أن إسرائيل لا ترغب بقيام جيش لبناني قوي، لأنها تفضّل بقاء الساحة اللبنانية مكشوفة أمام عملياتها العسكرية، كما ينتقد القيود المفروضة على تسليح الجيش، معتبراً أن بعض الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، امتنعت طوال السنوات الماضية عن تزويده بالأسلحة الدفاعية النوعية، بما يخدم، وفق رأيه، المصالح الإسرائيلية.

وفي تقييمه للمسار السياسي، يؤكد أن لبنان لم يذهب إلى المفاوضات من موقع المنتصر أو صاحب اليد العليا، بل فرضت عليه الظروف العسكرية والسياسية هذا الخيار، في ظل اختلال موازين القوى والضغوط الدولية والإقليمية، لذلك، يرى أن المطلوب اليوم هو انتهاج دبلوماسية أكثر فاعلية وانفتاحاً على العمق العربي والاستفادة من خبرات الدول الصديقة، بالتوازي مع إدارة المفاوضات بواقعية وندية، بعيداً عن الأوهام أو المبالغات.

ويختم التنير بالتشديد على أن المرحلة المقبلة تتطلب التفاف جميع اللبنانيين حول الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمها الجيش اللبناني، والعمل على بناء دولة قوية وعادلة تحتكر وحدها قرار الأمن والدفاع، بما يضمن سيادة لبنان واستقراره ويحفظ كرامة جميع أبنائه، مؤكداً أن وحدة الدولة ومؤسساتها تبقى الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الإسرائيلية وحماية السلم الأهلي في الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى