
تواصل أسعار الذهب تحرّكها ضمن نطاقات متقلبة، في ظل تداخل عوامل عدة تضغط على الأسواق، أبرزها تطورات التوترات الجيوسياسية، وحركة الدولار، ومسار أسعار النفط، إلى جانب قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن الفائدة، وبين احتمالات استمرار الصعود أو تصحيح الأسعار، يبقى السؤال: هل يواصل الذهب رحلة الارتفاع أم يدخل مرحلة تراجع مؤقتة؟
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس أبو دياب، في حديثٍ أن “الذهب فعلياً، وكما توقعنا بداية الأسبوع الحالي، تحرّك ضمن مستويات تراوحت بين 4180 و4220 دولاراً تقريباً للأونصة، إلى حين عودة التوترات في مضيق هرمز والقصف الأميركي أو المتبادل، ما أدى إلى ارتفاع سعر النفط بنحو 10% خلال يومين”.
وأوضح أن “هذا الأمر أعطى دفعاً إضافياً لسعر الدولار، وبالتالي عندما ارتفع سعر الدولار أدى ذلك إلى تراجع سعر الذهب، لأن ارتفاع سعر النفط يعني عملياً أن التضخم سيبقى مرتفعاً”.
وأشار أبو دياب إلى أن “حاكم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كان قد أشار الأسبوع الماضي، خلال مؤتمر في أوروبا، إلى أنه إذا انخفضت أسعار النفط وبالتالي تراجع التضخم إلى مستويات محددة خلال هذا العام، فهذا يعني أننا لن نكون أمام زيادة في التشدد النقدي أو رفع أسعار الفائدة، وقد تستمر الفائدة هذا العام عند مستوياتها الحالية، أي 3.75%”.
وأضاف أن “عودة التضخم إلى الانخفاض لمستويات متدنية قد تدفع باتجاه خفض أسعار الفائدة، وهذا الأمر يؤدي إلى ارتفاع أسعار الذهب، ومن هنا رأينا تحرك الذهب في بداية الأسبوع باتجاه الصعود”.
ولفت إلى أن “مدة استمرار التوتر الأخير ستكون عاملاً أساسياً في تحديد مسار أسعار الذهب وقوة الدولار، فإذا كان التوتر طويلاً وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر، فهذا يعني زيادة في قوة الدولار وارتفاعاً في التضخم، ما يؤدي إلى تراجع سعر الذهب، لكن الحدود الدنيا للانخفاض واضحة، إذ هناك مقاومة قوية عند مستوى 3900 دولار، واليوم مستوى 4000 دولار لا نتوقع أن ينخفض الذهب دونه في حال كانت الفترة قصيرة”.
ورأى أبو دياب أنه “إذا كان التوتر لفترة محدودة، فإن الذهب سيعاود الارتفاع، لأن مستويات التضخم ستكون منخفضة، خصوصاً أن المؤشرات الأميركية الأسبوع الماضي أظهرت تراجعاً في النمو، ما أدى إلى مخاوف من ركود اقتصادي”.
وأوضح أن “هذا الأمر يعني أن الاحتياطي الفيدرالي لن يكون قادراً على التوجه نحو مزيد من التشدد النقدي أو رفع أسعار الفائدة، وبالتالي قد تبقى الفائدة ثابتة حتى نهاية العام، خصوصاً أن هناك من يعتقد أنه في حال ارتفع التضخم مجدداً، قد يتم رفع الفائدة في أيلول المقبل، وهذا سينعكس سلباً على أسعار الذهب”.
وأشار إلى أن “هناك مؤشرات مهمة في الفترة المقبلة، لا سيما تلك المرتبطة بالبطالة وفرص العمل وطلبات إعانات البطالة في الولايات المتحدة، سيكون لها تأثير على أسعار الذهب”، موضحاً أن “ارتفاع البطالة بشكل كبير يعني أن الركود بدأ يأخذ مساحة أكبر، وبالتالي لن يكون بالإمكان رفع الفوائد مجدداً، لأن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الاقتصاد ويحدّ من الاستثمار، ما ينعكس سلباً على الدولار وإيجاباً على الذهب”.
وتابع: “في هذه المرحلة، نحن أمام تذبذب في الأسعار بين 3900 و4200 دولار، إلى حين حدوث تغيير فعلي وجوهري في السياسة النقدية، لكن كل المؤشرات تشير حتى اليوم إلى أن الذهب قد يصل حتى نهاية العام إلى حدود 5300 دولار، مع التأكيد أن الحديث هنا يتعلق بالمدى الطويل”.
وشدّد أبو دياب على أن “المضاربة صعبة في هذه المرحلة، لأن التذبذب كبير، ويرتبط بالتوترات الأمنية وعدم الاستقرار، وانعكاس ذلك على السياسة النقدية ومستويات التضخم”.



