
كشفت محاضر إفادة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في قضية “قطر غيت” محاولة متكررة لتقليص طبيعة علاقته المباشرة بالمستشارين المتورطين في الملف، إذ قال إنه لم يكن يعلم شيئًا عن أعمالهم الخاصة، ونفى وجود علاقة عمل مباشرة مع المتحدث السابق في مكتبه إيلي فلدشتاين، رغم التوثيقات والشهادات التي تضعه داخل الدائرة القريبة من رئيس الحكومة.
وبحسب تقرير للصحافية لي نعيم، في القناة “N12” الإسرائيلي، أدلى نتنياهو بإفادة مفتوحة في القضية عقب توقيف مستشاره المقرّب يوناتان أوريخ، والمتحدث السابق في مكتبه إيلي فلدشتاين، في 31 آذار 2025.
وتحقق الشرطة في العلاقات التي جمعت قطر بأشخاص عملوا في مكتب رئيس الحكومة أو كانوا مقربين منه، وهم أوريخ وفلدشتاين ويسرائيل آينهورن، وسط شبهات بأن مئات آلاف الدولارات حُوّلت خلال أشهر الحرب من الحكومة القطرية إلى مستشارين في محيط نتنياهو.
وخلص محقق الشرطة، في تلخيصه لرواية نتنياهو، إلى أن الأخير لم يكن يعلم في حينه ما إذا كانت لآينهورن شركة، أو طبيعة عملها، أو هوية الأشخاص الذين أقام معهم علاقات تجارية، كما كان يدرك أن لأوريخ أعمالًا أخرى لكنه لم يكن يعرف ماهيتها.
وعقب توقيف أوريخ وفلدشتاين، طلب نتنياهو تقصير جلسة الاستماع إلى إفادته أمام المحكمة في ذلك اليوم، وغادر لتقديم إفادة مفتوحة في قضية «قطر غيت».
وخلال التحقيق، سُئل نتنياهو عن معرفته السابقة بفلدشتاين، فقال إنه لم يكن يعرفه، وإنه لم يتذكر في البداية أنه أجرى معه مقابلة في السابق لشغل منصب متحدث باسم حزب الليكود.
وقال نتنياهو: «لم أكن أعرفه، لكن بعد انفجار القضية تبيّن لي أنني قابلته قبل سنوات كثيرة ليكون متحدثًا باسم الليكود، عندما كنت في المعارضة».
وعندما علّق المحقق قائلًا: «قبل سنوات كثيرة جدًا»، صحح نتنياهو كلامه قائلًا: «قبل سنتين أو 3 سنوات. تبيّن لي ذلك، لكنني لم أقبله في حينه. ثم ظهر مجددًا. إنه شخص طرح توباز لوك اسمه. فهمت أنه فشل في مرحلة ما، وبعد ذلك نقلوه إلى منظومة الإعلام. كان يعمل مع يوسي شيلي».
وتنسجم رواية نتنياهو مع الخط الذي عرضه مكتبه بعد توقيف فلدشتاين، إذ قيل في البداية إنه لا يعمل في مكتب رئيس الحكومة، قبل أن يصدر توضيح يفيد بأنه لم يشارك يومًا في اجتماعات أمنية ولم يتعرض لمعلومات سرية.
لكن فلدشتاين قدّم في إفادته رواية مختلفة، وتحدث عن علاقة مباشرة مع نتنياهو، وعن مهمة قال إنه تلقاها منه، وكانت مرتبطة بالنقاش العام حول تحمّل المسؤولية عن أحداث 7 تشرين الأول.
وقال فلدشتاين: «استدعاني وسألني: عمّ يتحدثون في الأخبار؟ هل ما زالوا يتحدثون عن المسؤولية، وعن تحمّل المسؤولية عن 7 تشرين الأول؟ قلت له: نعم، يتحدثون عن المسؤولية، وعندها تلقيت منه مهمة».
وأضاف أن نتنياهو قال له: «فكّروا فيما يمكن فعله حيال ذلك».
وتابع فلدشتاين: «سألت: ماذا أفعل بشأن المسؤولية؟ فأجاب: فكّر في شيء يخفف العاصفة الإعلامية حول السؤال عما إذا كان رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية عن 7 تشرين الأول أم لا».
ولم يذكر نتنياهو في إفادته أن فلدشتاين كان مسؤولًا في المكتب عن التواصل مع المراسلين العسكريين، كما لم يتطرق إلى التوثيقات التي ظهر فيها إلى جانب موظفي المكتب وفي محيط رئيس الحكومة، أو داخل غرفة القيادة المحصنة في مقر «الكرياه».
وحاول المحقق معرفة طبيعة قنوات العمل بين نتنياهو وفلدشتاين، ودور يوناتان أوريخ في عمل الأخير.
وسأل المحقق نتنياهو: «هل تعلم إن كان أوريخ قد قدّم توجيهات لفلدشتاين؟».
فأجاب نتنياهو: «كانت لديه قنوات تواصل مع أوريخ. رأيته ضمن المجموعة».
وعندما سُئل مجددًا إن كان يعلم أن أوريخ وجّه فلدشتاين، قال: «لا أعرف. لم أتابع الأمر، ولم يكن مهمًا».
ثم سأله المحقق عما إذا كانت بينه وبين فلدشتاين علاقة عمل مباشرة، فقال نتنياهو: «ماذا تقصد بعلاقة مباشرة؟».
فأوضح المحقق أنه يقصد «علاقة عمل»، ليرد نتنياهو: «لم تكن علاقة عمل. أحيانًا، ولا يمكنني أن أعرف، إذا كان يعمل متحدثًا لدى يوسي شيلي، وكان حاضرًا في اجتماعاتي مع يوسي شيلي، فقد كان أمامي. لكن جسديًا وشخصيًا وعلى انفراد، لم تكن لي علاقة به».
وسأل المحقق: «هل تعلم بوجود علاقة بينه وبين أوريخ؟».
فأجاب نتنياهو: «إذا وصل عن طريق توباز، فمن الطبيعي أنه كان يعرفه. إنها مجموعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا. من غير المستبعد أنه كان موجودًا في محيطنا. بحسب الاستيضاح الذي أجريته، كان متحدثًا باسم يوسي شيلي بضعة أشهر. لم أتذكر أصلًا أنني قابلته، ثم تبيّن لي لاحقًا أنني فعلت».
وحاول المحقق مومي مشولام معرفة مدى انسجام هذه الرواية مع مقطع مصور نشره نتنياهو لاحقًا، وأشاد فيه بفلدشتاين قائلًا: «أنا أعرف إيلي فلدشتاين. إنه وطني إسرائيلي وصهيوني متحمس».
وقال المحقق: «في الإعلام أشدت به، وقلت إنه شخص صهيوني».
فأجاب نتنياهو: «تعرفت إليه لاحقًا، قلت لك. عندما كان متحدثًا باسم شيلي، كان يأتي فعلًا. لا أتذكر أنني عملت معه كمتحدث».
وأضاف: «ما أتذكره أنه كان يأتي من وقت إلى آخر، ولكن بوتيرة غير مرتفعة. كان ذلك أكثر في مقر الكرياه خلال الحرب. لديّ هناك غرفة لا يدخل إليها، ولا يدخل إليها أحد. وهناك أيضًا مجموعة من الأشخاص على العشب في الجهة الأخرى، في المدخل».
وتابع: «لا أتذكر أنني أجريت معه حديثًا على انفراد. لم يكن هناك حوار خاص بيننا، لكنني رأيته من وقت إلى آخر. أتذكر أنه كان يتجول هناك».
وانتقل المحقق بعد ذلك إلى علاقة فلدشتاين بأوريخ، وإلى طبيعة المهمات التي كان الأول ينفذها في مكتب رئيس الحكومة.
وقال نتنياهو عن فلدشتاين: «هو لا شيء. لم يكن متحدثًا ولم يكن صاحب منصب. قيل لي إنه شخص جيد وموهوب، وعلى هذا الأساس قلت ما قلته. وهو أيضًا شخص صهيوني إلى حد كبير، جاء راغبًا في المساعدة. أبعد من ذلك، لم يكن لي تواصل خاص معه».
وعندما سأله المحقق عما يعنيه بقوله إن فلدشتاين جاء للمساعدة، أجاب: «نحن في حرب من أجل وجودنا. لقد جاء للمساعدة في منظومة الإعلام».
وسأله المحقق إن كان يعلم أن فلدشتاين يعمل في أمور أخرى إلى جانب منظومة الإعلام، فأجاب نتنياهو: «لا، إلا إذا كنت تقصد ما نُشر».
وأوضح المحقق أنه لا يقصد التقارير المنشورة، بل معرفة نتنياهو الشخصية، فقال الأخير: «لا، لم أكن أعرف».
وانتقل المحققون من فلدشتاين إلى طبيعة أعمال يوناتان أوريخ، فقال نتنياهو إنه يعرفه منذ سنوات، لكنه لم يكن يعلم ما هي أعماله الأخرى إلى جانب عمله متحدثًا باسم الليكود.
وقال نتنياهو: «أعرفه منذ سنوات، منذ الولاية الأولى أو الثانية، وعلى أبعد تقدير منذ الولاية الثانية».
وسأله المحقق: «هل كل شيء يصرح به يكون بعلمك؟».
فأجاب: «عادة، كل ما يصرح به باسم الليكود يكون بعلمي».
وسأل المحقق إن كان يعلم أن أوريخ يمارس أعمالًا أخرى إلى جانب مهمته متحدثًا باسم الليكود، فقال نتنياهو: «لا أعرف. أعرف أن لديه أعمالًا أخرى، لكنني لا أعرف ما هي. محاميّ لديه أعمال أخرى، وطبيبي لديه أعمال أخرى أيضًا. أعرف أن لأوريخ أعمالًا إضافية. إنه شخص خاص».
وعندما سأله المحقق كيف يعرف ذلك، قال: «لأنني أعرف. هو يعمل لدي منذ سنوات. إنه شخص خاص، ويمكنه أن يفعل أشياء كثيرة».
وخلال جلسة في المحكمة، كشف القاضي مناحيم مزراحي مضمون تصريحات أخرى أدلى بها نتنياهو للمحققين بشأن عمل أوريخ مع قطر.
وقال نتنياهو: «لم أكن أعلم أن أوريخ عمل مع قطر».
وأضاف: «لا يوجد في ذلك أي خطأ. قطر ليست دولة عدو».
وفي المرحلة التالية، سُئل نتنياهو عن علاقته بيسرائيل آينهورن، المستشار الاستراتيجي الذي عمل سابقًا في حملات الليكود، ثم انتقل للإقامة في صربيا ويرفض المثول للتحقيق في إسرائيل.
وقال نتنياهو: «عمل في حملة الليكود عام 2009. أتذكر عمله في الحملة».
وعندما سُئل عن طبيعة مهمته، أجاب: «كان مستشارًا استراتيجيًا. كنت أعرف والدته أيضًا، تاليا آينهورن. أعتقد أنه كان له عمل أيضًا في الانتخابات السابقة، وشارك بطريقة ما في الحملة، لا أتذكر».
وسأله المحقق إن كان مستشارًا استراتيجيًا، فأجاب نتنياهو: «أي مستشار؟ الجميع مستشارون استراتيجيون. لا أتذكر».
وعندما سُئل إن كان يعمل لمصلحة مكتب رئيس الحكومة، قال: «لا أتذكر. ربما للمكتب وربما لليكود. بحسب علمي، لم يكن يعمل في الليكود. ربما وظفناه لاحقًا بطريقة أو بأخرى، لأن بعض الأشخاص استمروا بعد الحملة في العمل على تشكيل الائتلاف. لا أتذكر ما يتعلق به، لكن هذا احتمال قائم».
وسأل المحققون عن طبيعة العلاقة بين آينهورن ويوناتان أوريخ، فقال نتنياهو: «هما صديقان».
وعندما سُئل عن آخر مرة تحدث فيها إلى آينهورن، أجاب: «قبل وقت طويل، أقدّر قبل سنة وبضعة أشهر».
وسأله المحقق إن كان هناك سبب لانقطاع التواصل بينهما، فقال: «أفترض أن السبب هو التحقيق. منذ بداية التحقيق، لم يتواصل معي ولم أتواصل معه».
وسأل المحقق إن كان يعلم بوجود علاقة مهنية بين آينهورن وأوريخ، فأجاب نتنياهو: «هذا لا أعرفه. أعرف أنه على اتصال دائم به».
وعندما سُئل إن كان أوريخ يطلعه على تواصله مع آينهورن خلال السنة أو السنتين الأخيرتين، قال: «لا، لم أنتبه إلى ذلك. لدي أمور أخرى تشغلني. أعرف أنهما صديقان، ولا أراقب العلاقات بينهما».
وأكد نتنياهو أنه لا يتذكر الدور الدقيق الذي أداه آينهورن في الحملة، وأنه لم يكن يعلم في أي مجال يقدم الاستشارات أو ما هي طبيعة عمل الشركة التي يملكها.
وسأله المحقق: «هل تعرف في أي مجال يقدم الاستشارات؟».
فأجاب: «لا أعرف. ربما يقدم استشارات متواصلة أو استشارات عامة. في حينه، لم أكن أعرف أن لديه شركة، ثم قرأت لاحقًا أن لديه شركة».
وعندما سُئل إن كان يتعاقد معه شخصيًا أو من خلال شركته عند توظيفه في حملة انتخابية، قال نتنياهو: «لا أعرف. أنا لا أتعامل مع العقد، ولا فكرة لدي».
إلا أن تقارير سابقة نشرتها صحيفة «هآرتس»، وإفادة قدمها آينهورن في صربيا، أفادتا بأنه توسط في اتصال جماعي بين نتنياهو وزعيم أجنبي لمساعدة تلك الدولة في قضية حساسة خلال السنة الأولى من الحرب.
وفي نهاية التحقيق، حاول المحقق تلخيص رواية نتنياهو بشأن معرفته بأعمال آينهورن وأوريخ وفلدشتاين.
وقال المحقق: «لم تكن تعلم في حينه ما إذا كانت لآينهورن شركة، وما طبيعة عملها، ومن هم الأشخاص الذين كانت تربطه بهم علاقات تجارية. والأمر نفسه بالنسبة إلى أوريخ، إذ كنت تفهم أن لديه أعمالًا أخرى، لكنك لم تكن تعرف ما هي. هل كلامي دقيق حتى الآن؟».
فأجاب نتنياهو: «نعم».
وسأله المحقق: «وماذا عن فلدشتاين، ماذا تعرف عنه؟».
فأجاب نتنياهو: «لا شيء على الإطلاق».
ومنذ الإدلاء بهذه الإفادة، حاولت الشرطة 10 مرات تنسيق موعد مع رئيس الحكومة لإجراء تحقيق قصير معه في قضية الاجتماع الليلي وقضية صحيفة «بيلد»، وهو تحقيق قد يلقي الضوء على تصرفات رئيس طاقم مكتبه السابق تساحي برافرمان ويوناتان أوريخ.
وتكشف المحاضر أن دفاع نتنياهو قام بصورة أساسية على الفصل بينه وبين الأعمال الخاصة لمستشاريه، وتقليص مستوى التواصل المباشر معهم، في وقت تواصل الشرطة فحص مسارات الأموال القطرية ومدى حضور الشخصيات المتورطة داخل الدائرة الأقرب إلى مكتب رئيس الحكومة.


