
أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان يتطلع إلى نقل علاقاته مع تركيا إلى مستوى متقدم من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، معوّلًا على الدور التركي في دعم تنفيذ اتفاق “صيغة الإطار”، وتعزيز استقرار الجنوب، ومساندة مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وفي مقابلة خاصة مع وكالة “الأناضول”، قبيل أول زيارة رسمية يجريها إلى تركيا الخميس منذ توليه رئاسة الجمهورية، شدد عون على أن أنقرة تحتل موقعًا محوريًا في المشهد الإقليمي، معتبرًا أن التنسيق معها بات “ضرورة استراتيجية وليس خيارًا ظرفيًا”.
وكان لبنان وإسرائيل قد وقّعا في 26 حزيران الماضي، برعاية أميركية، اتفاق “صيغة الإطار”، الذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى “حزب الله”.
ورأى عون أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب علاقاتها الإقليمية الواسعة، تؤهلها للقيام بدور داعم في الترويج الدولي للاتفاق وتشجيع الأطراف المعنية على الالتزام الكامل ببنوده.
وأكد أن الإطار الذي نتج من جولات التفاوض في واشنطن وروما يحتاج إلى مواكبة إقليمية ودولية واسعة لضمان تنفيذه على الأرض، مشددًا على التزام لبنان بما وقّعه في واشنطن.
لكنه ربط نجاح الاتفاق بضمانات واضحة، أبرزها انسحاب إسرائيلي كامل ومتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، ووقف نهائي للخروقات والاعتداءات على الجنوب، وإيجاد آلية دولية فاعلة للتحقق من التزام الطرفين، منعًا لتحول الالتزامات اللبنانية إلى خطوة أحادية الجانب في غياب مقابل إسرائيلي.
ودعا عون تركيا إلى دعم هذا المسار سياسيًا ودبلوماسيًا، بما يمنع الوصول إلى اتفاق منقوص التنفيذ، ويساند توجه لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، ويعزز الجهود الدولية لمنع أي فراغ أمني في الجنوب.
وفي ما يتعلق بدعم السيادة اللبنانية، قال عون إن تركيا تملك أدوات تأثير حقيقية تمكّنها من مساندة الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، بما يساعد على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وأضاف أن أنقرة تستطيع توظيف علاقاتها للمساهمة في ضبط الحدود الشرقية والشمالية، ومنع تهريب السلاح أو أي تسلل يهدد الأمن اللبناني.
وأوضح أن لبنان لا يطلب من تركيا دورًا بديلًا عن الدولة اللبنانية، بل دورًا داعمًا ومكمّلًا لسعيها إلى حصر السلاح بيد الشرعية وتثبيت الاستقرار بعد سنوات الحرب.
وأشار إلى تطلع بيروت نحو خطوات ملموسة، تشمل تعزيز التنسيق بين البلدين، ودعم مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش، وفتح آفاق جديدة للتعاون في ملفات استقرار الحدود ومكافحة انتقال السلاح غير الشرعي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد عون أن لبنان يعوّل على قدرة تركيا على الإسهام في مسار التعافي، من خلال الاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار.
وأوضح أن ذلك يمكن أن يتحقق عبر تشجيع الشركات التركية على ضخ استثمارات مباشرة في القطاعات الإنتاجية اللبنانية، وتفعيل الاتفاقيات التجارية، وتذليل العقبات اللوجستية أمام تبادل السلع، والاستفادة من الخبرة التركية الواسعة في إعادة الإعمار.
وفي ملف التعاون العسكري، قال عون إن الجيش اللبناني يخوض استحقاقًا وجوديًا يتعلق ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، وهو ما يتطلب دعمًا متعدد الأوجه يشمل التجهيزات والمعدات الحديثة والتدريب المتخصص والدعم اللوجستي.
وأكد أن هذا الدعم ضروري لتمكين الجيش من الانتشار الفعلي في المناطق الحساسة، وخصوصًا الجنوب، حيث يُفترض أن يتزامن انتشاره مع انسحاب إسرائيلي كامل.
وكشف أن الجانب اللبناني سيبحث مع تركيا إمكان توسيع برامج الدعم والتدريب العسكري القائمة، بعدما أبدت أنقرة في مناسبات سابقة استعدادها لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية.
وشدد في الوقت نفسه على أن أي دعم تركي سيكون مكمّلًا للدعم الأميركي والدولي القائم، وليس بديلًا منه.
وفي شأن احتمال مشاركة تركيا في قوة دولية قد تحل محل قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان، قال عون إن الملف لا يزال قيد النقاش، في ظل وجود طروحات متعددة، من بينها تشكيل قوة أوروبية بقيادة فرنسية إيطالية، أو مشاركة تركية بدعم من حلف الناتو، إلى جانب مقترحات تشمل دولًا عربية وإسلامية.
وأكد أن الأولوية اللبنانية هي منع حصول أي فراغ أمني بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل”، مشيرًا إلى أن تقييم أي قوة بديلة، بما فيها مشاركة تركية محتملة، سيستند إلى مدى قدرتها على دعم الجيش اللبناني في بسط سلطته وضمان استقرار الجنوب.
وأضاف أن لبنان لا يستبعد أي شريك جاد، لكن القرار النهائي يبقى مرتبطًا بتوافق دولي أوسع، وبما يخدم السيادة اللبنانية أولًا.
ولفت إلى أن تركيا ساهمت سابقًا، من خلال القوة البحرية التابعة لـ”اليونيفيل”، في حفظ السلام وضبط الحركة البحرية باتجاه لبنان، بالتنسيق مع القوات البحرية في الجيش اللبناني.
وعن موقف “حزب الله” الرافض لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، أقر عون بأن هذا الأمر يشكل تحديًا لا يمكن التقليل من حجمه، لأن أي مسار تفاوضي أو تنفيذي يحتاج إلى حد أدنى من الإجماع الداخلي حتى ينجح على الأرض.
وشدد على أن الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة الجمهورية والحكومة، هي الجهة الوحيدة المخولة دستوريًا اتخاذ القرارات المتعلقة بالسيادة والأمن والعلاقة مع الخارج.
وفي المقابل، رأى أن تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار ومعالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، يتطلبان مقاربة تراكمية وحوارًا داخليًا مستمرًا بعيدًا عن المواجهة.
وأكد أن المصلحة اللبنانية العليا تكمن في قيام دولة قوية بمؤسساتها الشرعية وحدها، وإنهاء الانقسام المتعلق بقرارات الحرب والسلم.
أما بشأن ما يُتداول عن وساطة سورية في ملف حصر السلاح، فأكد عون أن القرار سيادي لبناني بامتياز، ويُتخذ عبر الحوار الداخلي برعاية رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة، ولا يخضع لأي وساطة أو تدخل خارجي، سواء من سوريا أو غيرها.
وأشار إلى أن الجانب السوري أكد مرارًا، وعلى أعلى المستويات، عدم نيته التدخل عسكريًا في الشأن اللبناني، وحصر دعمه بمساندة مبدأ وضع السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
وأوضح عون أنه أكد خلال لقاءاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع ضرورة أن يكون التنسيق بين البلدين على مستوى القيادتين السياسيتين، وبما يستند إلى احترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وختم بالتأكيد أن ما يُثار بشأن دور سوري أوسع لا يتعدى كونه اجتهادات إعلامية لا تعبّر عن واقع تفاوضي أو موقف رسمي، مشددًا على حرص لبنان على تصويب أي التباس يتعلق بهذا الملف الحساس.




