
تحولت الإمارات خلال نحو عقدين من دولة كانت استثماراتها تثير مخاوف أمنية في واشنطن إلى واحدة من أبرز الشركاء الاقتصاديين والعسكريين للولايات المتحدة، في وقت تتجه فيه حصة متزايدة من الاستثمارات الإماراتية نحو شركات ومشاريع مرتبطة بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتوازي مع توسع نفوذ أبوظبي في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، استناداً إلى تحقيق موسع نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الإمارات نجحت في استكمال مسار تطبيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة، بعدما كانت قبل نحو 20 عاماً في قلب عاصفة سياسية أميركية غير مسبوقة.
ففي ذلك الوقت، حاولت الإمارات، عبر شركة “DP World” ومقرها دبي، شراء 6 موانئ بحرية أميركية رئيسية، إلا أن الخطوة أثارت غضباً واسعاً في أوساط المشرعين في واشنطن.
وزاد من حدة الاعتراض أن 2 من منفذي هجمات 11 أيلول كانا من الإمارات، ما دفع عدداً من أعضاء الكونغرس إلى التحذير من تهديد أمني خطير، ووصف الدولة حينها بأنها “مشكلة إرهابية مستمرة”، بحسب التقرير.
وأدت الأزمة في نهاية المطاف إلى انسحاب الشركة من الصفقة، لكنها تحولت لاحقاً إلى نقطة مفصلية في العلاقات بين البلدين.
وبحسب “فايننشال تايمز”، عقد ولي عهد أبوظبي آنذاك، والرئيس الحالي للإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، اجتماعاً طارئاً مع مستشاريه، وخرج بخلاصة مفادها أن الأميركيين ببساطة لا يفهمون الإمارات، وأن الوقت حان لتغيير هذه الصورة.
وبعد عقدين، يبدو أن هذا المسار حقق نتائج كبيرة، إذ باتت الإمارات تُنظر إليها من قبل سياسيين وقادة عسكريين في الولايات المتحدة باعتبارها إحدى أكثر حلفاء واشنطن كفاءة في الشرق الأوسط، حتى إنها حظيت بلقب “إسبرطة الصغيرة”.
ولا تقتصر العلاقة على التعاون العسكري، إذ تستخدم أبوظبي، وفق التقرير، نحو 1.7 تريليون دولار تديرها عبر صناديق الثروة السيادية والشركات المدعومة حكومياً لتوسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك استثمارات مرتبطة بعائلة ترامب.
ويشير التقرير إلى أن الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً، لم يعد يتعامل بالحساسية نفسها مع الاستثمارات الإماراتية في القطاعات المرتبطة بالأمن القومي الأميركي.
وفي هذا السياق، منح ترامب الإماراتيين أخيراً إمكانية الوصول إلى بعض أكثر رقائق الحوسبة تطوراً في العالم، وذلك بعد أشهر فقط من شراء صندوق الاستثمار “MGX”، الذي يرأسه مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد، حصة تبلغ 49% من أعمال العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب، “World Liberty Financial”.
ولا تعتمد أبوظبي في تعزيز حضورها في واشنطن على المال المؤسسي وحده، بل أيضاً على دبلوماسية نشطة.
فمنذ وصول السفير يوسف العتيبة إلى العاصمة الأميركية عام 2008، أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار على أنشطة الضغط السياسي “اللوبي”، وفق التقرير.
ويصف التحقيق هذه المنظومة بأنها ماكينة علاقات عامة متكاملة تموّل مراكز أبحاث بارزة، وتستضيف مؤتمرات دولية، وتعمل على تقديم الإمارات بوصفها واحة ليبرالية ومتقدمة.
وكان أبرز إنجاز لهذه الدبلوماسية توقيع “اتفاقات أبراهام” عام 2020، وهي خطوة غيّرت بصورة كبيرة نظرة الولايات المتحدة إلى الإمارات وفتحت أمامها أبواباً إضافية في واشنطن.
ولا يقتصر طموح الرئيس الإماراتي على تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط، إذ يسعى أيضاً إلى تحويل بلاده إلى قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والخروج من ظل السعودية، بحسب التقرير.
وفي هذا الإطار، أبرمت صناديق ضخمة مثل “مبادلة” شراكات واسعة مع شركات تكنولوجيا، وأنشأت مشاريع مشتركة مع شركات عملاقة من بينها OpenAI، كما استحوذت على 15% من نشاط “تيك توك” في الولايات المتحدة.
ونقل تقرير “فايننشال تايمز” عن مسؤول سابق في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قوله إن قطاع التكنولوجيا الأميركي بات مرتبطاً اليوم، بصورة “تكاد تكون مخيفة”، برأس المال الإماراتي.
ويشير التقرير إلى أن النفوذ الإماراتي غير المسبوق في واشنطن يمنح أبوظبي، وفق قراءته، هامشاً واسعاً لتجنب الانتقادات الحادة.
فبالرغم من علاقاتها السياسية والعسكرية الوثيقة مع الصين، والاتهامات المتعلقة بتسليح جماعات متهمة بارتكاب إبادة جماعية في السودان، إضافة إلى وصفها بأنها أدت لسنوات دور “مصرفي إيران” في الالتفاف على العقوبات، لا تزال واشنطن الرسمية، بحسب التقرير، تتعامل بمرونة مع هذه الملفات.
وحتى الحرب الأخيرة مع إيران، التي وجدت فيها الإمارات نفسها تحت نيران الصواريخ والطائرات المسيّرة، دفعت أبوظبي إلى تعميق تحالفها العسكري والتكنولوجي مع واشنطن وإسرائيل.
في المقابل، بدأ مسؤولون في الحزب الديمقراطي يحذرون من أن عودة حزبهم إلى السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة قد تضع حداً لمرحلة التساهل مع الإمارات في واشنطن، وتفتح الباب أمام موجة من التحقيقات الموسعة.
وهكذا، تكشف التحولات التي شهدتها العلاقات بين أبوظبي وواشنطن خلال العقدين الماضيين أن الاستثمارات الإماراتية لم تعد مجرد أداة اقتصادية، بل تحولت إلى جزء أساسي من شبكة نفوذ واسعة تمتد من البيت الأبيض إلى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فيما تبقى العلاقة المتنامية مع عائلة ترامب إحدى أكثر زوايا هذا النفوذ حساسية.




