
في مشهد يختصر حجم الفوضى التي باتت تحكم بعض الملفات القضائية بين لبنان وسوريا، علم “ليبانون ديبايت” أن القضاء السوري أرسل عبر تطبيق “واتساب” طلباً لاسترداد اللواء السوري عادل عيسى، الموقوف حالياً لدى القضاء اللبناني، على خلفية اتهامات سورية له بالقتل والتعذيب في مجزرة دير الزور عام 2013.
لكن قبل البحث في مضمون الطلب السوري، يفرض الشكل نفسه سؤالاً لا يمكن تجاوزه: منذ متى تُدار طلبات الاسترداد بين دولتين عبر “واتساب”؟
أين الكتاب الرسمي؟ أين وزارة العدل؟ أين القنوات الدبلوماسية؟ وأين الأصول القضائية التي يفترض أن تحكم ملفاً بهذه الخطورة والحساسية؟
فطلب استرداد شخص موقوف ليس رسالة شخصية يمكن إرسالها عبر الهاتف، بل إجراء قضائي بين دولتين يفترض أن يستند إلى ملف واضح ومستندات رسمية واتهامات مثبتة، وأن يسلك القنوات التي تحددها الاتفاقيات النافذة بين لبنان وسوريا.
والمفارقة تصبح أكثر خطورة في قضية عادل عيسى تحديداً.
فبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، لم تبدأ القضية بتوقيف عادي نفذته الأجهزة اللبنانية بموجب مذكرة قضائية، بل بواقعة خطف حصلت داخل السفارة السورية في بيروت، قبل أن يُسلّم عيسى إلى الجانب اللبناني ويصبح موقوفاً لدى القضاء.
وهنا يصبح السؤال أبعد من مجرد طلب استرداد أُرسل عبر “واتساب”: هل يمكن للقضاء اللبناني أن يتعامل مع نتيجة عملية خطف وكأنها إجراء قضائي طبيعي؟
وهل يكفي أن تسلّم جهة ما شخصاً إلى السلطات اللبنانية حتى يصبح احتجازه مشروعاً بمعزل عن الطريقة التي وصل بها إليها؟
إن مسؤولية القضاء اللبناني في هذه القضية لا تقتصر على دراسة ما تريده دمشق، بل تبدأ أولاً من التدقيق في كيفية وصول عيسى إلى عهدته، وما إذا كانت واقعة خطفه داخل مقر دبلوماسي قد خرقت القوانين اللبنانية والأصول التي يفترض أن تحكم عمل أي سفارة على الأراضي اللبنانية.
أما أن يحصل خطف داخل السفارة، ثم يصل طلب الاسترداد لاحقاً عبر تطبيق “واتساب”، فهذه ليست آلية تعاون قضائي بين دولتين، بل مشهد يطرح أسئلة جدية حول حدود السيادة اللبنانية ودور القضاء في حماية الأصول القانونية.
لبنان وسوريا يملكان أصلاً تاريخاً طويلاً من الاتفاقيات التي تنظم التعاون القضائي بينهما، يعود أساسها إلى الاتفاق القضائي الموقع عام 1951، فيما وقّع البلدان في شباط 2026 اتفاقية جديدة تتعلق بنقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا. أي أن الأطر الرسمية موجودة، ولا مبرر لاستبدالها برسالة عبر تطبيق إلكتروني.
ومن هنا، فإن المطلوب من القضاء اللبناني ألا يتحول إلى جهة تغطي بأثر رجعي عملية خطف حصلت داخل سفارة أجنبية على الأراضي اللبنانية، بل أن يبدأ من أصل القضية وطريقة توقيف عيسى، وأن يتعامل مع أي طلب سوري وفق الأصول القانونية حصراً.




