سلايدات

شكراً بول مرقص

أكثر من 10 سنوات مرّت منذ بدء مناقشة قانون الإعلام في لبنان. أكثر من عقد من اللجان والنقاشات والتعديلات والأخذ والرد، فيما كان العالم الإعلامي من حولنا يتغيّر بسرعة هائلة، وبقي لبنان محكوماً بتشريعات وُضعت في زمن لم يكن فيه الإنترنت جزءاً من حياتنا اليومية، ولا الفضائيات قد غيّرت شكل المشهد الإعلامي، ولا مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية قد ظهرت، وبالتأكيد لم يكن أحد يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وما يفرضه اليوم من تحديات قانونية وأخلاقية ومهنية. لذلك، فإن إقرار قانون الإعلام أخيراً ليس تفصيلاً تشريعياً، بل إنجاز حقيقي للقطاع الإعلامي في لبنان، تحقق بعد سنوات طويلة من الانتظار، وبجهد واضح من وزير الإعلام بول مرقص، وبدعم من رئيس الجمهورية جوزيف عون.

كان من غير المنطقي أن تصل دول العالم إلى مرحلة مناقشة وإقرار قوانين تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما لا يزال لبنان يحاول تنظيم إعلامه بقواعد تعود إلى مرحلة سبقت الإنترنت والفضائيات. الإعلام تغيّر، والمهنة تغيّرت، والمؤسسات تغيّرت، وطريقة وصول الخبر إلى الناس تغيّرت بالكامل، فيما بقي الإطار القانوني متأخراً سنوات طويلة عن كل ذلك. من هنا، لم يعد إقرار قانون جديد خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة لحماية الإعلام نفسه، وحماية العاملين فيه، ووضع قواعد واضحة لقطاع يعيش منذ سنوات تحولات لا تشبه شيئاً مما كان قائماً عند وضع التشريعات القديمة.

أما الاعتراض على القانون، فهو حق، ومناقشة مواده وانتقادها والمطالبة بتعديلها حق أيضاً، بل ضرورة في أي دولة تحترم حرية الرأي. لكن يجب التمييز بين من يعترض لأن لديه ملاحظة حقيقية تصب في مصلحة الإعلام وحريته، وبين من يعترض لأن القانون الجديد يمسّ مكتسبات وامتيازات اعتاد عليها ولا يريد التخلي عنها. من يخاف فعلاً على مستقبل الإعلام لا يمكن أن يكون مع إبقاء القطاع أسير تشريعات تجاوزها الزمن، بل يفترض أن يكون مع وجود قانون حديث، وأن يخوض بعد ذلك معركة تطويره وتحسينه وسد أي ثغرة تظهر خلال التطبيق.

ولا أحد يقول إن القانون الذي أُقرّ كامل. لا يوجد قانون كامل، ولا يوجد تشريع لا يحتاج مع مرور الوقت إلى تعديل أو تطوير، خصوصاً في قطاع يتغيّر بهذه السرعة. لكن بين قانون يحتاج إلى تطوير وبين غياب قانون عصري من الأساس، لا يجوز أن نختار البقاء في الماضي. الخطوة الصحيحة كانت أن يُقر القانون، ثم تبدأ مرحلة مراقبة تطبيقه ومعالجة ثغراته وتطويره كلما دعت الحاجة، بما يحفظ الحرية ويؤمّن للإعلاميين البيئة القانونية والمهنية التي يحتاجون إليها.

وفي النهاية، المشرّع لا يشرّع لحماية مكتسبات شخص أو مؤسسة أو فئة، بل للمصلحة العامة. والمصلحة العامة اليوم كانت تقتضي إخراج قانون الإعلام من الأدراج وإقراره بعد سنوات طويلة من الانتظار. قد نختلف غداً على مادة فيه، وقد نطالب بتعديل أخرى، وهذا طبيعي وصحي، لكن ما لم يعد طبيعياً هو أن يبقى إعلام لبنان في القرن الـ21 محكوماً بمنطق تشريعي يعود إلى زمن آخر.

اليوم أُنجزت خطوة أساسية تأخرت كثيراً. خطوة لا تنهي النقاش حول مستقبل الإعلام في لبنان، بل تفتح الباب أمام نقاش أكثر جدية حول كيفية حمايته وتطويره وتنظيمه من دون المساس بحريته.

شكراً لوزير الإعلام بول مرقص على الجهد الذي بذله للوصول إلى هذه اللحظة، وشكراً لرئيس الجمهورية جوزيف عون على الدفع باتجاه إنجاز هذا الملف.

أما المرحلة المقبلة، فهي الأهم: أن يصبح القانون في خدمة الإعلام، لا أن يصبح الإعلام في خدمة أي مصلحة خاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى