
كشف تحقيق مرئي أجرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، بالتعاون مع مؤسسة “لايتهاوس ريبورتس” الصحافية غير الربحية، عن دمار ممنهج نفذه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، شمل عشرات الآلاف من المنازل والمدارس والأراضي الزراعية والغابات.
وأظهر تحليل لصور الأقمار الصناعية والبيانات المتاحة واللقطات الموثقة أن معظم الأضرار وقعت بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على القرى التي أُخليت في منتصف نيسان الماضي، ما جعل مساحات شاسعة غير صالحة للسكن، وألحق دماراً بالأنظمة الضرورية للحياة المدنية، من البنية التحتية للمياه والطاقة إلى الرعاية الطبية، في تكتيك قال خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية إنه مصمم لمنع عودة السكان.
وفي هذا السياق، أكدت نائبة مدير منظمة العفو الدولية كريستين بيكرلي أن ما يجري يمثل “هجوماً واسع النطاق وطويل الأمد ومنظماً على سكان جنوب لبنان”، مشيرة إلى أن تسوية البنية التحتية الحيوية والرعاية الصحية بالأرض وحرق الأراضي ينشئ “أراضي قاحلة غير صالحة للسكن”، ويجعل عودة السكان إلى الجنوب بالغة الصعوبة.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن، بعد أسابيع من اندلاع الحرب الأخيرة، تطبيق “نموذج رفح وبيت حانون” لتدمير القرى اللبنانية الحدودية بالكامل، قبل أن يعلن بحلول تموز تدمير جميع المباني في 24 قرية لبنانية يعود تاريخها إلى مئات السنين، وهدم ما يصل إلى 20 ألف منزل.
وبيّن التحقيق أن معظم الدمار وقع بعد وقف إطلاق النار الأولي بين لبنان وإسرائيل في 17 نيسان، إذ واصلت القوات الإسرائيلية، التي كانت قد سيطرت على القرى المهجورة، عمليات التدمير عبر الغارات الجوية والتفجيرات المتحكم بها والجرافات واستخدام الفوسفور الأبيض.
وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية في مناطق الخيام والطيبة وبنت جبيل وحداثا أن الأضرار امتدت إلى بلديات بأكملها تقريباً، فيما وثّق التحقيق أدلة على عمليات تفجير وهدم نُفذت بواسطة آلات ثقيلة وحفارات تابعة لشركات من بينها “كاتربيلر” و”فولفو”.
كما ألحقت إسرائيل أضراراً جسيمة بمعالم تاريخية ومواقع مدرجة على قائمة اليونسكو، بينها مساجد تعود إلى القرن السادس عشر، ومكتبات من القرن التاسع عشر، ومزارات دينية وآثار رومانية وقلاع صليبية. وقالت جوان بجالي من منظمة “بلادي” للحفاظ على التراث إن ما يجري هو “محاولة لجعل هذه المناطق غير قابلة للتمييز… لقطع صلة الناس بأرضهم وتاريخهم”.
وتعمل السلطات اللبنانية انطلاقاً من افتراض أن كل ما يقع أسفل “الخط الأصفر” قد دُمّر بالكامل، بعدما طُبقت عمليات الهدم على نطاق واسع وطالت المياه والطاقة والطرق والمدارس والزراعة والرعاية الصحية.
وشمل الدمار ما لا يقل عن 2500 كيلومتر من البنية التحتية المائية، بين أنابيب وآبار، إضافة إلى استهداف الألواح الشمسية المغذية لأنظمة المياه، وتدمير جميع الجسور على نهر الليطاني، والتي لم يُرمم منها سوى جسرين جزئياً.
وعلى الصعيد الزراعي، دُمّر أكثر من 20% من الأراضي الزراعية والغابات في الجنوب، كما تضررت بساتين الزيتون التي تنتج نحو 40% من محصول البلاد، ما يستدعي إعادة غرس عشرات الآلاف من الأشجار.
كما وثقت وزارة البيئة اللبنانية استخداماً واسعاً للفوسفور الأبيض ورش مبيدات الأعشاب على أكثر من 2000 هكتار من الأراضي الحدودية خلال السنوات الـ3 الماضية، واصفة ذلك بـ”الإبادة البيئية”.
وفي القطاع الصحي، دُمرت عشرات المرافق الصحية، فيما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد 135 من العاملين في القطاع الصحي أثناء تأدية واجبهم جراء غارات إسرائيلية تكتيكية تُعرف بالضربات “المزدوجة والثلاثية والرباعية”، تقوم على استهداف الموقع نفسه بعد دقائق أو ساعات لاستهداف المسعفين والمدنيين.
ووثقت منظمة “إن سيكيوريتي إنسايت” أكثر من 30 حادثة من هذا النوع، فيما تحققت “فايننشال تايمز” و”لايتهاوس ريبورتس” من صحة لقطات مصورة توثق 10 حوادث منها.




