
شهد جنوب لبنان، اليوم الجمعة، تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا وغير مسبوق من حيث كثافة الغارات والقصف المدفعي وعمليات التفجير، إذ طالت الاعتداءات عشرات البلدات والمناطق الممتدة من قضاء صور إلى بنت جبيل والنبطية ومرجعيون وحاصبيا، فيما بقي التوتر الشديد مسيطرًا على معظم المناطق الجنوبية حتى ساعات المساء.
وأفادت المعلومات الميدانية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي أغار على منزل عند أطراف بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، في وقت تعرضت فيه البلدة ومحيطها لقصف وتفجيرات إضافية خلال النهار.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، في وقت سابق، استهداف مبنى في برعشيت، وقال إن قوات من لواء «كفير» بقيادة الفرقة 91 رصدت أشخاصًا دخلوا إلى المبنى بعدما اجتازوا الخط الذي تعتبره إسرائيل حدود ما تسميه «المنطقة الأمنية»، مدعيًا أنهم شكلوا تهديدًا لقواته، قبل أن يشن سلاح الجو الغارة على المبنى.
كما استهدفت قذيفة مدفعية إسرائيلية منزلًا عند أطراف بلدة شقرا، بالتزامن مع إلقاء قنبلة صوتية في المنطقة، فيما تواصل القصف المدفعي على عدد كبير من البلدات والمناطق طوال النهار.
وشمل القصف الإسرائيلي المنصوري، وتلة علي الطاهر، ودوحة كفررمان، وتلة الدبشة، وطلوسة، ووادي الحجير، وأطراف شقرا، وبرعشيت، وميفدون، إضافة إلى قصف مدفعي طال بلدة حولا ومحيط ميفدون – النبطية الفوقا.
وترافق القصف مع عمليات تمشيط كثيفة بالأسلحة الرشاشة باتجاه القنطرة ووادي الحجير، إضافة إلى زوطر الشرقية وحداثا وعيتا الجبل ومناطق أخرى، في ظل حركة عسكرية إسرائيلية نشطة على امتداد الشريط الجنوبي.
وكان الطيران الإسرائيلي قد شن فجر اليوم سلسلة غارات استهدفت المنصوري والقنطرة وتلة علي الطاهر ودوحة كفررمان، قبل أن تتوسع رقعة الغارات خلال ساعات النهار.
وفي تطور لاحق، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على بلدة بيوت السياد، وهي قرية صغيرة تضم نحو 50 منزلًا، في واحدة من أكثر الوقائع الميدانية قسوة خلال اليوم.
وبحسب المعلومات الواردة من المنطقة، أدت الغارتان، بعد سلسلة الاعتداءات التي تعرضت لها البلدة سابقًا، إلى تدمير ما تبقى من منازلها، حتى باتت القرية، وفق المعطيات الميدانية المتداولة، من دون أي منزل سليم تقريبًا.
وترافقت الغارات الجوية مع موجة واسعة من عمليات التفجير الإسرائيلية داخل عدد من البلدات، إذ سُمع دوي انفجار عنيف جدًا في بلدة أرنون تردد صداه على مساحة واسعة من الجنوب، قبل تسجيل انفجار ثانٍ في البلدة.
كما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرًا كبيرًا في بلدة كفرتبنيت، بالتزامن مع تفجيرات أخرى استهدفت مجدل زون ومشاع المنصوري وبلدة المنصوري.
وسجلت كذلك عمليات تفجير في بلدة حداثا ومحيط بلدة الطيبة وبلدة مركبا، فيما وقع تفجير عند أطراف برعشيت من جهة بلدة عيترون، أعقبه تفجير ثانٍ داخل نطاق برعشيت.
وفي موازاة التفجيرات، أفادت المعلومات بإقدام القوات الإسرائيلية على إحراق منازل في بلدة بيت ياحون، ضمن مسلسل من عمليات التفجير والإحراق التي تطال الأبنية والمنازل في عدد من البلدات الجنوبية.
كما ألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة صوتية فوق بلدة المنصوري، بينما سجلت حادثة أخرى في شبعا بعدما ألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة صوتية باتجاه أحد رعاة الماشية، ما أدى إلى إصابته ونقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه منطقة تلة علي الطاهر ومحيط النبطية توترًا متواصلًا منذ أيام، مع تعرض المرتفع ومناطق مجاورة لسلسلة غارات وقصف مدفعي وتمشيط بالأسلحة المختلفة، وسط حساسية ميدانية كبيرة مرتبطة بموقع التلة وإشرافها على مساحة واسعة من الجنوب.
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية بسبب تزامنها مع استمرار البحث في تنفيذ «اتفاق الإطار» والمناطق التجريبية في الجنوب، وسط مطالبة لبنانية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتوسيع انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
وكان نائب رئيس الحكومة طارق متري قد أعلن أن الجيش اللبناني مستعد لتسلّم مرتفع علي الطاهر، فيما أكد أن لبنان يريد استعادة سيادته كاملة على الجنوب، وأنه لا يريد بقاء المنطقة من دون مراقبة دولية.
كما تزامن يوم التصعيد مع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، حيث شدد على دعم الجيش والقوى الأمنية وعلى حق أهالي الجنوب في أن تكون الدولة إلى جانبهم، بينما دوّت انفجارات وسُجلت غارات إسرائيلية خلال وجوده في المنطقة.
وتأتي الاعتداءات ضمن مرحلة تشهد توسعًا في عمليات التفجير والجرف وإحراق المنازل في عدد من القرى الجنوبية، بعدما سجلت خلال الأيام الماضية عمليات مماثلة في الخيام وكفرتبنيت وطلوسة والمنصوري وحولا ومركبا ومجدل زون ومناطق أخرى.
وتثير عمليات تفجير المنازل والأحياء السكنية مخاوف متزايدة بشأن حجم الدمار الذي سيواجهه الأهالي عند عودتهم إلى بلداتهم، خصوصًا في القرى الصغيرة التي فقدت نسبة كبيرة من أبنيتها ومنازلها، وهو ما يظهر بوضوح في حالة بيوت السياد التي كانت أصلًا من أصغر التجمعات السكنية في المنطقة.
ويضيف استمرار القصف والغارات والتفجيرات عائقًا جديدًا أمام أي مسار لإعادة الإعمار أو عودة السكان، إذ لا تتوقف التداعيات عند الأضرار المباشرة، بل تشمل الأراضي الزراعية والبنى التحتية والطرقات والمنازل ومصادر رزق الأهالي.
ومع حلول المساء، بقيت معظم مناطق الجنوب تحت وطأة توتر شديد، فيما توزعت العمليات الإسرائيلية بين الغارات الجوية والقصف المدفعي والتفجيرات وعمليات التمشيط وإلقاء القنابل الصوتية، في واحد من أكثر أيام التصعيد كثافة خلال الفترة الأخيرة.



