
ربط وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط تعافي الاقتصاد اللبناني بإجراء إصلاحات حقيقية وترسيخ سيادة الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها، داعياً إلى استكشاف إطار شراكة اقتصادية خاصة بين لبنان والإمارات لتعميق التجارة والاستثمار ونقل المعرفة. واعتبر أنّ حضور الوفد الاقتصادي الإماراتي إلى بيروت، في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها البلد، يحمل رسالة ثقة واضحة بأنّ “لبنان لم يُشطب من الحسابات”.
مواقف البساط جاءت خلال ملتقى لبناني إماراتي لتعزيز التعاون وتوقيع مذكرات تفاهم استراتيجية، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام ووزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، الذي يرأس الوفد الاقتصادي الإماراتي، إلى جانب وزراء وممثّلي الهيئات الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة ومجلسَي الأعمال في البلدين.
وقال: ان “لبنان يمرّ بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. نحن في حالة حرب، واقتصادنا لا يزال يرزح تحت ثقل سنوات من الأزمات، والتظاهر بغير ذلك لا يخدم لبنان ولا يليق بجدية زيارتكم”.
وأضاف: “لهذا السبب بالذات، فإنّ حضوركم اليوم له وزن استثنائي. ففي لحظة يحتاج فيها لبنان إلى ثقة أصدقائه أكثر من أي وقت مضى، اخترتم أن تكونوا هنا. وهذه رسالة واضحة إلى اللبنانيين والمستثمرين وقطاعنا الخاص بأنّ لبنان لم يُشطب من الحسابات”.
وأشار إلى أنّ الزيارة تشكّل امتداداً لعلاقة راسخة بين البلدين، قائلاً: “لبنان والإمارات لم يكونا يوماً غريبين عن بعضهما. نحن لا نبدأ علاقة جديدة اليوم، بل نبني على تاريخ طويل من الروابط الاقتصادية والإنسانية”.
وعرض البساط 4 محاور أساسية، شملت قدرات لبنان الإنتاجية، ومتطلّبات الإصلاح والسيادة، ودور القطاع الخاص في قيادة التعافي، وآفاق تعميق الشراكة الاقتصادية مع الإمارات.
وفي ما يتعلّق بالإمكانات الإنتاجية، أكّد أنّ “قدرات لبنان أكبر بكثير ممّا ينتجه اليوم. لدينا قطاع خاص ديناميكي، وكفاءات بشرية استثنائية، وعلاقات عميقة مع المنطقة والعالم. وهذه كلها مقوّمات لم تختفِ بسبب الأزمة، ويمكن لهذه الإمكانات أن تتحوّل إلى فرص حقيقية”.
ولفت إلى أنّ “الفرص الاستثمارية الكبرى تبدأ أحياناً قبل اكتمال التعافي، عندما تبدأ ملامحه بالظهور، ومن هنا تأتي أهمية زيارتكم اليوم”.
وشدّد على أنّ الإمكانات وحدها لا تكفي لتحقيق النمو، موضحاً أنّ “تحويلها إلى نمو وازدهار يحتاج إلى إصلاح حقيقي: إصلاح اقتصادي، وإصلاح للقطاع المصرفي، وللإطار المالي، وللخدمات الأساسية، ولطريقة عمل الدولة”.
وأضاف: “لكنه يحتاج أيضاً إلى ترسيخ مبدأ غير قابل للتفاوض: سيادة الدولة، وحصرية السلاح، وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، والدولة وحدها. فلا اقتصاد يزدهر، ولا مستثمر يخطّط بثقة، إن لم تكن هذه القرارات بيد الدولة وحدها”.
وفي تناوله دور القطاع الخاص، رأى البساط أنّ “التعافي يجب أن يكون، في جوهره، مشروع القطاع الخاص”، معتبراً أنّ الإمارات تقدّم نموذجاً لدولة لا تحلّ محلّه، بل تهيّئ له شروط النجاح، بدءاً من وضوح القواعد وسهولة ممارسة الأعمال، وصولاً إلى التخطيط بعيد الأمد والانفتاح على الكفاءات ورؤوس الأموال والأسواق العالمية.
وقال: “لدينا في لبنان أساس قوي للبناء على ذلك. فقطاعنا الخاص من أكثر القطاعات ريادة في المنطقة، وجزء كبير منه وجد في الإمارات بيتاً له”، مضيفاً: “لا أرى وفدين اقتصاديين غريبين عن بعضهما، بل مجتمع أعمال تربطه علاقات وشراكات بُنيت على مدى عقود”.
ودعا إلى الارتقاء بهذه العلاقات نحو شراكة اقتصادية أعمق، مشيراً إلى أنّ اندماج الإمارات في الاقتصاد العالمي شكّل خياراً واعياً تُرجم باتفاقيات التجارة والشراكات الاقتصادية الشاملة.
وفي هذا السياق، نقل البساط عن الزيودي أنّ الإمارات أبرمت 38 اتفاقية مع دول حول العالم خلال السنوات الـ5 الأخيرة، واصفاً ذلك بأنّه “رقم قياسي”، ومؤكداً أنّ “لبنان تأخّر كثيراً في هذا المجال، وحان الوقت لنغيّر ذلك”.
وقال: “أطرح اليوم أن نبدأ باستكشاف إطار شراكة اقتصادية خاصة بين لبنان والإمارات، ومسار عملي لتعميق التجارة والاستثمار ونقل المعرفة وربط شركاتنا وأسواقنا. ونريد في ذلك ليس فقط شركاتكم، بل أيضاً الاستفادة من تجربتكم وخبرتكم”.
وختم البساط بالتأكيد أنّ “لبنان يملك قدرات أكبر بكثير من واقعه الحالي، وتحويلها إلى نمو يحتاج إلى إصلاح وإلى سيادة. والقطاع الخاص يجب أن يقود التعافي، والإمارات يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في ذلك”.
وأضاف: “الصعوبات التي يواجهها لبنان كبيرة، وبعضها وجودي، لكن لدينا أيضاً أسباباً حقيقية للعمل. لبنان لم يُشطب من الحسابات، ومهمّتنا أن نجعله من جديد بلداً يستحقّ أن توضع فيه الثقة ورأس المال”، شاكراً الوفد الإماراتي على حضوره إلى بيروت “قبل أن ينقشع الغموض تماماً”.




