
بعد نحو 4 عقود على قضية بقيت مفتوحة منذ الحرب الأهلية اللبنانية، دخل ملف رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان الذين اختُطفوا وقُتلوا في ثمانينيات القرن الماضي مرحلة جديدة، مع حديث إسرائيلي عن تفاهم مع بيروت يقضي بنقل معلومات بشأن الموقع المحتمل لجثامينهم، في مقابل الإفراج عن 5 مواطنين لبنانيين محتجزين في إسرائيل، ضمن مسار تفاوضي أوسع ترعاه الولايات المتحدة بين الجانبين.
وبحسب تقرير للصحافيين آنا بارسكي وإيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، توصلت إسرائيل ولبنان إلى تفاهم تنقل بموجبه بيروت إلى الجانب الإسرائيلي «معلومات موثوقة» بشأن المكان المحتمل لوجود جثامين رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان، الذين اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، مقابل إفراج إسرائيل عن 5 مواطنين لبنانيين محتجزين لديها.
وقال مسؤولون إسرائيليون مطلعون على تفاصيل الاتصالات إن المعلومات نُقلت إلى إسرائيل مطلع هذا الأسبوع خلال لقاء جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، بمشاركة السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي.
وبحسب هؤلاء، قامت إسرائيل بفحص المعلومات التي تلقتها ومقاطعتها مع معطيات أخرى، قبل اتخاذ القرار بالمضي في تنفيذ عملية الإفراج.
وللمرة الأولى، جرى اليوم تأكيد الربط بين مسعى استعادة جثامين يهود لبنان والإفراج عن الموقوفين اللبنانيين بصورة علنية أيضًا في بيان صادر عن مكتب نتنياهو.
ووفق مسؤولين إسرائيليين، تبلور التفاهم خلال جولة المحادثات بين إسرائيل ولبنان التي عُقدت في روما الشهر الماضي، حيث طلبت إسرائيل من الجانب اللبناني «معلومات موثوقة» بشأن الجثامين، وفي المقابل وافقت على الإفراج عن 5 لبنانيين أوقفوا في جنوب لبنان ولم تُظهر التحقيقات معهم وجود صلة لهم بنشاط مسلح.
وقال المسؤولون: «هم نقلوا إلينا معلومات، ونحن سنفرج عن هؤلاء الأسرى».
وأوضحوا أن المعلومات نُقلت بالفعل خلال لقاء عيسى مع نتنياهو مطلع الأسبوع، ثم خضعت للفحص والتحقق، وعلى أساس ذلك اتُخذ القرار بالمضي في الإفراج.
وامتنع المسؤولون الإسرائيليون عن استخدام مصطلح «صفقة» لوصف التفاهم.
وتُدار معالجة الملف في إسرائيل بصورة أساسية بواسطة منسق شؤون الأسرى والمفقودين غال هيرش، وبمساعدة الجهات السياسية والأميركية المشاركة في الاتصالات مع بيروت.
واللقاء الذي قال المسؤولون الإسرائيليون إن المعلومات نُقلت خلاله عُقد في القدس في 1 أيلول، أي قبل يومين من بدء عملية الإفراج.
وإلى جانب ميشال عيسى ومايك هاكابي، شارك في الاجتماع أيضًا مستشار الأمن القومي شموئيل بن عزرا.
وكان مكتب نتنياهو قد أكد في حينه انعقاد الاجتماع، لكنه لم يكشف تفاصيل مضمونه.
وكشف بيان مكتب نتنياهو اليوم مزيدًا من التفاصيل عن الاتصالات، مشيرًا إلى أن نتنياهو وجّه، في إطار المفاوضات مع لبنان، إلى دفع جهود تحديد مواقع جثامين رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان وإعادتها، وهم الذين وصفهم البيان بـ«قتلى الملكوت»، والذين اختُطفوا وقُتلوا على يد جماعات مسلحة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وشدد المكتب على أن نتنياهو يتابع هذا الملف منذ الفترة التي شغل فيها منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة.
وأضاف البيان أن الأشهر الأخيرة شهدت تنفيذ «عمليات كثيرة» للعثور على الجثامين، «من الجانب اللبناني ومن الجانب الإسرائيلي، بما في ذلك عمليات ميدانية».
ولم يوضح مكتب نتنياهو ماهية تلك العمليات أو أماكن تنفيذها أو الجهات التي نفذتها، كما لم يحدد ما إذا كانت قد أسفرت حتى الآن عن أي نتائج.
وبحسب المكتب، وفي ضوء هذا النشاط المكثف، تقرر الإفراج عن اللبنانيين الـ5.
وأضاف أنه بعد استكمال التحقيقات معهم، تبين أنهم مدنيون، وليسوا أعضاء في جماعة مسلحة، ولم يشاركوا في نشاط مسلح، ولم تعد هناك أسباب لمواصلة احتجازهم في إسرائيل.
وكان أحد الموقوفين، مالك كمال غازي، قد سُلّم اليوم إلى لبنان عبر الصليب الأحمر عند معبر الناقورة.
وتسلّمه الجيش اللبناني، قبل نقله لإجراء فحوص طبية في منطقة صور.
وغازي، البالغ 20 عامًا، كان محتجزًا في إسرائيل منذ تشرين الأول 2025.
وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر لقناة «الحدث» السعودية بأن لبنان يُتوقع أن يتسلم خلال الساعات المقبلة 4 موقوفين لبنانيين إضافيين محتجزين لدى إسرائيل.
وبحسب التقرير، كان من المتوقع تسليم الأربعة إلى الجانب اللبناني خلال نحو ساعتين، بعد الإفراج عن غازي في وقت سابق اليوم.
ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن مسؤولين أمنيين لبنانيين أن غازي مواطن لبناني، وأن الإفراج عنه هو الأول من نوعه منذ اندلاع جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله قبل نحو نصف عام.
ووفق «الحدث»، فإن الموقوفين الـ4 الآخرين اعتقلتهم إسرائيل خلال الحرب.
وأكدت إسرائيل أن العملية ستشمل في المجموع الإفراج عن 5 لبنانيين، ووصفت الخطوة بأنها بادرة تجاه الحكومة اللبنانية على خلفية المفاوضات الجارية بين الجانبين.
وقال مسؤول إسرائيلي لصحيفة «جيروزاليم بوست» إن هؤلاء الموقوفين اعتُقلوا خلال الأشهر الأخيرة.
في المقابل، كان مصدر سياسي لبناني قد قال في وقت سابق لقناة «MTV» إن بيروت حصلت منذ بداية الاتصالات على وعد بالإفراج عن 5 موقوفين.
وأضاف أن الإفراج عن غازي كان من المفترض أن يتم أمس، لكنه أرجئ لأسباب لوجستية.
ووصف المصدر الإفراج عن الموقوفين بأنه «جرعة دفع للمفاوضات المباشرة» بين إسرائيل ولبنان.
وبحسب تقارير لبنانية، لا يزال أكثر من 30 لبنانيًا محتجزين في إسرائيل، فيما لا توجد بيانات إسرائيلية رسمية شاملة بشأن عددهم أو أوضاعهم.
وكانت قد أُثيرت ادعاءات بشأن احتمال وجود صلة بين غازي وحزب الله، إلا أن بيان مكتب نتنياهو نص بصورة صريحة على أن المفرج عنهم الـ5 ليسوا أعضاء في جماعة مسلحة ولم يشاركوا في نشاط مسلح.
كما قدّمت جهات لبنانية مطلعة على الملف الخمسة بوصفهم مدنيين.
ولم يبدأ الربط بين ملف الموقوفين ومسألة تحديد أماكن الرفات خلال اتصالات هذا الأسبوع، بل سبقها إلى مسار تفاوضي أقدم.
ففي «اتفاق الإطار» الذي وُقّع بوساطة أميركية في واشنطن في 26 حزيران، التزم الطرفان، من بين أمور أخرى، العمل على تحديد مواقع الرفات وإعادتها، إلى جانب الإفراج عن الموقوفين.
وخلال جولة المحادثات التي عقدت في روما مطلع آب، أخذ هذا المسار طابعًا عمليًا أكثر وضوحًا.
وجرت الاتصالات عبر 3 مسارات متوازية: سياسي وعسكري وقانوني، فيما تولى المسار القانوني ملفي الموقوفين والمفقودين.
وتبادل الجانبان قوائم أولية، حيث طلب لبنان معلومات بشأن اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل، وطالب بإفراج أولي عن مدنيين، فيما طرحت إسرائيل خلال المحادثات نفسها قضية يهود لبنان الذين اختُطفوا وقُتلوا.
ووفق مسؤولين إسرائيليين، فإن التفاهم الذي يجري تطبيقه حاليًا تبلور خلال هذه الجولة.
كما ناقشت اتصالات آب مطلبًا إسرائيليًا أوسع يتعلق برفات يهود موجودة في لبنان، قبل أن يحصر بيان مكتب نتنياهو اليوم الطلب في جثامين رؤساء الطائفة الذين اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وفي تلك السنوات، وفي ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، اختُطف في بيروت عدد من أبرز الشخصيات التي بقيت من الطائفة اليهودية في البلاد، بينهم رؤساء للطائفة وشخصيات عامة.
وقُتل بعضهم بعد اختطافهم على يد جماعات شيعية متشددة، فيما لم يُعرف حتى اليوم مكان دفن بعضهم.
ومن بين الأسماء التي ظهرت على مر السنين في توثيق القضية رئيس الطائفة إسحاق ساسون، والدكتور إيلي حلاق، وسليم جاموس، وإيلي سرور.
وكان نتنياهو في تلك المرحلة يشغل منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، وقال مكتبه اليوم إنه يتابع هذه القضية منذ ذلك الحين، أي منذ عقود.
وتأتي الخطوة الحالية ضمن مفاوضات أوسع بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة.
وإلى جانب ملفات الموقوفين والمفقودين، يناقش الجانبان الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني في جنوب البلاد، وتفكيك بنى حزب الله وسلاحه.
وبحسب التقرير، تقدمت الاتصالات في هذه الملفات خلال الأشهر الأخيرة ببطء، على خلفية الخلافات بين الجانبين بشأن وتيرة تفكيك سلاح حزب الله، ونشاط الجيش اللبناني، واستمرار الانسحاب الإسرائيلي.
إلا أن مسار الموقوفين والمفقودين سجل حاليًا تقدمًا عمليًا.
فالإفراج عن اللبنانيين الـ5 والمعلومات التي نُقلت إلى إسرائيل يشكلان النتيجة التنفيذية للتفاهم الذي تحقق في هذا المسار، والذي تحاول إسرائيل من خلاله أيضًا دفع حل قضية بقيت معلقة لنحو 4 عقود.
وفي بيروت، يجري تقديم الإفراج عن الموقوفين باعتباره نتيجة لمسار المفاوضات.
وشكر رئيس الحكومة نواف سلام الوسطاء الأميركيين، مؤكدًا أن لبنان سيواصل العمل من أجل الإفراج عن بقية اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل، وكشف مصير المفقودين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
ومن المتوقع عقد جولة جديدة من المحادثات في روما في وقت لاحق من الشهر الحالي، بعد رأس السنة اليهودية.
وإلى جانب مواصلة معالجة ملفي الموقوفين والمفقودين، يُنتظر أن يعود الطرفان إلى بحث الخلافات التي لم تُحل بعد بشأن سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.
وهكذا، يفتح الإفراج عن 5 لبنانيين نافذة عملية في مسار تفاوضي لا تزال ملفاته الكبرى عالقة، فيما تعيد معلومات مرتبطة بقضية عمرها نحو 40 عامًا تحريك واحد من أكثر ملفات المفقودين حساسية بين لبنان وإسرائيل.




