سلايدات

العفو وُقّع… لكن من يقرّر مَن يخرج من السجن؟

لا يعني توقيع قانون العفو العام أن أبواب السجون ستُفتح تلقائياً، أو أن جميع المشمولين بأحكامه سيخرجون في وقت واحد. فالمرحلة الأكثر تعقيداً تبدأ بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية ودخوله حيّز التنفيذ، حين يصبح على القضاء إسقاط مواده على آلاف الملفات المتفاوتة في جرائمها ومراحلها الإجرائية.

وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، يُتوقع أن يعقد مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، خلال الأسبوع المقبل، سلسلة اجتماعات مع النيابات العامة الاستئنافية في المناطق والنيابة العامة المالية، لبحث كيفية تطبيق القانون ومعالجة الغموض الذي يحيط ببعض مواده.

وتبرز العقدة الأساسية في الملفات التي تتضمن أكثر من جرم، إذ قد يكون أحدها مشمولاً بالعفو، فيما يبقى الآخر مستثنى منه. وفي هذه الحالات، لا يسقط الملف بكامله تلقائياً، بل يعود إلى المرجع القضائي المختص تحديد أثر العفو على كل جرم، وعلى العقوبة واستمرار التوقيف.

كما تختلف آلية التطبيق تبعاً لوضع كل سجين. فهناك موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام، ومحكومون ابتدائياً لا تزال ملفاتهم قيد الاستئناف، وآخرون صدرت بحقهم أحكام مبرمة. ولكل فئة مسارها، سواء لجهة إسقاط الدعوى العامة، أو محو العقوبة، أو إعادة احتساب مدة التوقيف، أو استمرار الملاحقة في الجرائم غير المشمولة.

ويزيد تعدد المراجع القضائية المعنية من حجم التعقيد، إذ يتوزع تنفيذ القانون بين النيابات العامة وقضاة التحقيق والمحاكم الجزائية والعسكرية والجهات المختصة بتنفيذ العقوبات، ما يرفع احتمال ظهور تفسيرات متباينة للمادة نفسها بين محكمة وأخرى.

ولهذا، تتجه الأنظار أيضاً إلى مجلس القضاء الأعلى، الذي يُرتقب أن يعقد اجتماعاً أو سلسلة اجتماعات لمناقشة الإشكاليات المطروحة، تمهيداً لإصدار تعميم يوحّد الأصول العملية للتطبيق، من دون أن يصل إلى حد تعديل القانون أو إضافة أحكام غير واردة فيه، باعتبار أن ذلك يبقى من صلاحية السلطة التشريعية.

ومن المنتظر أن تحدد الآلية المرتقبة الجهة التي تتولى إعداد لوائح المستفيدين وتدقيقها، وطريقة التعامل مع الملفات المختلطة، والمستند القضائي الذي يصدر بموجبه قرار إخلاء السبيل أو إسقاط العقوبة. فالسجين لا يغادر بناءً على لائحة سياسية أو خبر إعلامي، بل بعد التحقق من هويته وملفه، والتأكد من عدم وجود مذكرات توقيف أو أحكام أخرى بحقه.

أما تقديم طعن أمام المجلس الدستوري، فقد يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ولا سيما إذا اقترن بطلب تعليق مفعول القانون إلى حين البت به. وفي غياب قرار صريح بالتعليق، يبقى القانون نافذاً بعد نشره، ويتوجب على القضاء المباشرة بتطبيقه.

وعليه، فإن الامتحان الحقيقي للعفو لا يكمن في توقيعه، بل في ضمان تنفيذه بسرعة وعدالة وشفافية. فأي تأخير في توحيد الآلية قد يحوّل القانون، الذي أُقر لمعالجة أزمة السجون، إلى مصدر جديد للفوضى والتمييز بين موقوفين تتشابه أوضاعهم القانونية وتختلف المحاكم التي تنظر في ملفاتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى