سلايدات

حملة إسرائيلية خبيثة وخطيرة على الجيش اللبناني

تشنّ وسائل إعلام إسرائيلية منذ أيام حملة مركّزة على الجيش اللبناني، تتجاوز انتقاد أدائه إلى اتهامه بالعجز والتواطؤ مع حزب الله. وهي حملة تبدو جزءاً من محاولة مدروسة لضرب الثقة بالمؤسسة العسكرية في الداخل، وتهيئة المبررات لاستمرار الاحتلال وتوسيع العمليات الإسرائيلية داخل لبنان.

وبدأت أخطر فصول الحملة مع تقرير للقناة 14 الإسرائيلية، زعم أن “العملية التجريبية لنزع سلاح حزب الله فشلت”، ونقل عن مصدر سياسي مجهول ادعاءه أن الجيش اللبناني ينسق تحركاته مع الحزب، من قائد الجيش العماد رودولف هيكل وصولاً إلى العناصر المنتشرة ميدانياً.

لم يقدّم التقرير وثيقة أو دليلاً يثبت هذا الاتهام، لكنه بنى عليه خلاصة سياسية وعسكرية واضحة: لبنان غير قادر على معالجة ملف حزب الله، ولا يمكن إنجاز المهمة إلا بواسطة الجيش الإسرائيلي. وهكذا تتحول التهمة غير المثبتة إلى ذريعة لبقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

وتكرر الخطاب نفسه في موقع “والا”، الذي نقل عن مسؤول إسرائيلي وصفه عمليات الجيش بأنها “تجميلية”، وزعم أن بعض الحواجز العسكرية تسمح لعناصر حزب الله بالتنقل بين القرى. ومرة أخرى، استندت الاتهامات إلى مصادر إسرائيلية مجهولة، من دون نشر صور أو وثائق أو نتائج تحقيق مستقلة.

لكن التقرير نفسه نقل عن مصادر لبنانية أن الجيش يعمل ضد البنى العسكرية والنشاطات غير الشرعية وفق التفاهمات القائمة. وبذلك يصبح الخلاف الحقيقي متعلقاً بوتيرة التنفيذ وآلياته، لا بادعاء أن الجيش لا يقوم بأي عمل.

وفي موازاة استهداف الجيش اللبناني، فتحت القناة 14 شاشتها أمام ضابط إسرائيلي سابق للحديث عن إمكان الانتقال من مرتفعات علي الطاهر نحو النبطية وصور، وصولاً إلى طرح سيناريو دخول المدينتين وتدميرهما. وهذا يكشف بوضوح طبيعة الحملة: الإعلام الذي يطالب الجيش اللبناني ببسط سلطته هو نفسه الذي يروّج لاجتياح مدن لبنانية ويبرر بقاء الاحتلال.

في المقابل، تظهر الوقائع أن الجيش اتخذ إجراءات ميدانية فعلية في المناطق التجريبية، شملت إقامة 6 حواجز ثابتة و13 نقطة مراقبة، وتسيير دوريات على مدار الساعة، وفتح نحو 12 كيلومتراً من الطرق، وضبط أسلحة وذخائر ومنع أي ظهور مسلح غير مرخص.

وبحسب البيانات المعلنة، شملت المضبوطات نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها منصات لإطلاق الصواريخ وصواريخ ومسيّرات وقذائف صاروخية وقنابل جوية، إضافة إلى ألغام وعبوات. وقد تبقى سرعة التنفيذ وحجم النتائج موضع نقاش داخلي، لكن هذه الأرقام تنسف رواية أن الجيش “لم يفعل شيئاً”.

كما يواصل الجيش مهماته على امتداد الأراضي اللبنانية، من حماية الحدود ومكافحة التهريب إلى ملاحقة المطلوبين وضبط السلاح. ففي 11 أيلول، أعلن توقيف 5 مطلوبين وتنفيذ عمليات دهم في عكار والمنية وجبيل والجية ووادي خالد، مع مصادرة أسلحة وذخائر حربية.

ويعمل الجيش وسط ظروف شديدة التعقيد: احتلال إسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وغارات متواصلة، وذخائر غير منفجرة، ونقص في العتاد والتمويل، إلى جانب واقع سياسي وأمني دقيق. ومع ذلك، تطالبه إسرائيل بتحقيق نتائج فورية، فيما تحتل مناطق لبنانية وتمنعه من بسط سلطته الكاملة عليها.

الهدف إذاً ليس تقوية الجيش اللبناني، بل إخضاعه للشروط الإسرائيلية. فإذا تحرك وفق حسابات الدولة ومقتضيات السلم الأهلي اتُّهم بالتقاعس، وإذا طالب بانسحاب إسرائيل قيل إنه يتهرب من مسؤولياته، وإذا أعلن عن إنجازاته شُكك فيها سلفاً.

والأخطر أن الحملة تستهدف العماد رودولف هيكل بالاسم، في محاولة لإدخال قيادة الجيش في التجاذب السياسي اللبناني وزرع الشك بين العسكريين وبيئتهم. فإسرائيل تدرك أن الجيش لا يزال المؤسسة الوطنية الجامعة، وأن إضعافه يفتح الباب أمام الفوضى والانقسام.

يمكن مساءلة أداء الجيش من داخل الدولة وبالاستناد إلى الوقائع، لكن تحويل التسريبات الإسرائيلية إلى أحكام لبنانية يحقق لتل أبيب ما تريده مجاناً. فالمطلوب إسرائيلياً هو جيش فاقد للثقة والغطاء الشعبي، لتتمكن لاحقاً من الزعم أن الاحتلال هو القوة الوحيدة القادرة على ضبط الجنوب.

إنها حملة إسرائيلية خبيثة لا تستهدف ضابطاً أو قراراً عسكرياً فحسب، بل آخر مؤسسة ما زالت تجمع اللبنانيين. وعندما تعجز إسرائيل عن إخضاع الجيش في الميدان، تحاول ضربه من الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى