
تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة انتخابية تتداخل فيها الصراعات داخل معسكر معارضي بنيامين نتنياهو مع حسابات اليمين، فيما يقدّم الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت قراءة شديدة اللهجة تعتبر أن عدداً من شركاء رئيس الحكومة قد لا يكنّون له التقدير، لكنهم يتمسكون به لأنه، بالنسبة إليهم، لا يملك بديلاً قادرًا على تأمين مطالبهم ومصالحهم السياسية.
وفي مقال نشره كسبيت في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، اعتبر أن “الهلع مستشار سيئ”، وأن تغير الاتجاه في استطلاعات الرأي بدأ يُظهر أسوأ ما لدى ما يُعرف بـ”معسكر التغيير”، في ظل السجالات بين أفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير غولان، وصولًا إلى منصور عباس.
ويرى كسبيت أن معسكر نتنياهو يستخدم عباس مجددًا كورقة انتخابية ضد خصومه، على الرغم من أن نتنياهو نفسه حاول سابقًا، بحسب الكاتب، تشكيل حكومة تعتمد على دعمه.
ويذهب إلى أن المسألة، من وجهة نظره، تتجاوز الخلاف الأيديولوجي إلى ما يسميه “عبادة شخصية”، معتبرًا أن مؤيدي نتنياهو الأكثر ولاءً سيواصلون الوقوف خلفه مهما كانت الوقائع التي تُكشف أمامهم.
ويقول إن هؤلاء بقوا خلف نتنياهو رغم تحميله مسؤولية سياسية عن الإخفاق الأمني الأكبر في تاريخ إسرائيل، بحسب وصفه، ورغم السياسة التي سمحت على مدى سنوات بدخول الأموال القطرية إلى غزة في عهد حكم حماس، فضلًا عن القضايا المرتبطة بمستشارين في محيطه وعلاقاتهم بقطر.
لكن كسبيت يلفت في الوقت نفسه إلى أن عددًا من شركاء نتنياهو أنفسهم لا يكنّون له تقديرًا كبيرًا، مستشهدًا ببتسلئيل سموتريتش الذي سبق أن وصفه بعبارة “كاذب ابن كاذب”، وبإيتمار بن غفير، إضافة إلى الأحزاب الحريدية.
وبحسب الكاتب، فإن الحريديم “يمقتون نتنياهو”، لكنهم يدركون أنه لا يوجد في الوقت الحالي بديل مستعد، وفق تعبيره، لتقديم ما يقدمه لهم في الملفات المتعلقة بمصالحهم السياسية والدينية.
ومن هنا، يقول كسبيت إنه يفضل الانقسام الناتج عن تعدد الآراء والأفكار على وحدة يعتبر أنها تقوم على الانضباط المطلق والالتفاف حول شخص واحد.
ويرى أن تعدد المرشحين والمواقف داخل المعسكر الليبرالي أمر طبيعي في النظام الديمقراطي، مقابل ما يصفه بانضباط شديد داخل معسكر نتنياهو، ويعتبر أن وجود “سوبرماركت من الأفكار”، على حد تعبيره، قد يمنح الناخب خيارات أوسع بدل فرض مرشح واحد على الجميع.
ومع ذلك، يقر بأن لا أحد يستطيع معرفة ما إذا كان توحيد المعارضة خلف مرشح واحد سيحسن فرصها الانتخابية، مشددًا على أن أي شخص يدعي امتلاك اليقين خلال حملة انتخابية “يكذب على الآخرين أو على نفسه أو على الاثنين معًا”، وفق تعبيره.
ويستعيد كسبيت ما جرى قبل نحو شهرين أو 3 أشهر، حين طالب نفتالي بينيت قادة وشخصيات معسكر التغيير بالاصطفاف خلفه، معتبرًا آنذاك أن هزيمة نتنياهو ممكنة فقط من جهة اليمين، ومقترحًا ما سمّاه “النموذج الهنغاري” بنسخة إسرائيلية.
ويقول إنه اعتبر في حينه أن بينيت محق وكتب ذلك علنًا، لكن المشهد تبدل لاحقًا، إذ بات المطلب نفسه يصدر من معسكر غادي آيزنكوت، الذي يرى أنصاره أن المعسكر لن ينطلق انتخابيًا ما لم يصطف الجميع خلفه.
ولفت إلى أن آيزنكوت رفض سابقًا دعوات بينيت للانضمام إليه والاعتراف بقيادته، بعدما قرأ فريقه اتجاهات مختلفة في استطلاعات الرأي، فيما ارتكب بينيت، وفق كسبيت، ما يصفه بـ”خطأ استراتيجي كبير” حين تحالف مع يائير لابيد.
ويرى الكاتب أن تلك الخطوة أدت إلى انهيار فرضية “النموذج الهنغاري”، في حين بدأ آيزنكوت بالصعود في الاستطلاعات.
ويضيف أن أفيغدور ليبرمان بدوره يرى نفسه مرشحًا لرئاسة الحكومة، الأمر الذي يثير مخاوف لدى منافسيه داخل المعسكر نفسه، لكنه يشكك في أن وجود 3 مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة يؤدي بالضرورة إلى خسارة أصوات.
ومع توقف صعود آيزنكوت واستعادة معسكر نتنياهو جزءًا من ناخبيه، يقول كسبيت إن بينيت عاد إلى طرح “النموذج الهنغاري”، آملًا أن يقتنع المعسكر مجددًا بأن الطريق لهزيمة نتنياهو يمر عبر اليمين.
ويشير إلى أن نتنياهو كان يخشى بينيت بشدة قبل انطلاق الحملة، وأن جهازه السياسي والإعلامي ركز عليه لفترة طويلة، وجمع باحثون مواد ضده، حتى إن ملفًا واسعًا أُعد تحت اسم “نفتالي”.
لكن جزءًا صغيرًا فقط من هذا الملف استُخدم، بحسب كسبيت، لأن الهدف تقلص لاحقًا، لتحل مكانه شخصية سياسية جديدة هي غادي آيزنكوت.
ويقول إن الهجوم السياسي بات يتركز اليوم على آيزنكوت، مستفيدًا أيضًا من أخطاء تكتيكية يرتكبها بنفسه، فيما يعتبر أن أكثر ما يضره هو تصويره على أنه الشخص الذي “سيشكل حكومة مع العرب” أو “سيتحالف مع منصور عباس والديمقراطيين”.
ويرى كسبيت أن مثل هذا الخطاب كان سيبدو عبثيًا في ظروف سياسية أخرى، لأن الجهات نفسها التي تستخدمه اليوم ضد آيزنكوت حاولت، بحسبه، تهيئة الرأي العام سابقًا لإقامة حكومة لنتنياهو بالتعاون مع منصور عباس.
ويستعيد في هذا الإطار مواقف للإعلامي ينون ماغال، إضافة إلى مقالين كتبهما ناتان إيشل، المقرب من نتنياهو، وذهب فيهما إلى أن عرب إسرائيل “ليسوا المشكلة بل الحل”، وفق ما ينقله كسبيت.
كما يشير إلى محاولات فعلية جرت لتشكيل حكومة تعتمد على عباس، لكنها اصطدمت في حينه بمعارضة سموتريتش.
ويقول كسبيت إنه اعتقد أن مرحلة “تأهيل” عباس سياسيًا انتهت بعد تشكيل حكومة بينيت ولابيد بمشاركته، مشيرًا إلى أن ماغال نفسه غيّر خطابه قبل أسبوعين تقريبًا من أداء تلك الحكومة اليمين، وبدأ يتهم عباس بمواقف داعمة لحماس والحركة الإسلامية.
لكن الكاتب يقول إنه اكتشف لاحقًا فصلًا إضافيًا في القصة، يعود إلى ما بعد سقوط حكومة التغيير وقبل الانتخابات التي أعادت نتنياهو إلى السلطة.
ويستعيد مقابلة أجراها مع ماغال ومنصور عباس في 23 حزيران 2022، حين سأل ماغال عباس: “إذا عرض عليك الليكود اليوم الدخول في ائتلاف قبل الانتخابات، هل ستوافق؟”.
ورد عباس حينها بأنه موجود أصلًا في شراكة وائتلاف واتفاق ائتلافي، لكن ماغال قاطعه بالقول: “لكن الحكومة سقطت”.
فأصر عباس على أنه سيواصل احترام الاتفاق إلى أن يبلغه شركاؤه بانتهاء الشراكة، قبل أن يعود ماغال ويسأله: “إذا قيل لك الآن، في هذه التركيبة، تعالَ نشكل حكومة برئاسة نتنياهو، هل تأتي أم لا؟”.
ويرى كسبيت أن هذه الوقائع تكشف تناقضًا في الخطاب الحالي لمعسكر نتنياهو تجاه منصور عباس.
كما يرفض الكاتب الادعاء بأن موقف اليمين من عباس تغير بسبب عدم هدم منازل بدوية في النقب خلال حكومة التغيير، مشيرًا إلى أن أرقامًا رسمية، بحسب قوله، أظهرت تنفيذ عمليات هدم خلال تلك الفترة بمعدلات لا تقل عن الفترة التي تولى فيها اليمين السلطة.
ويذهب كسبيت إلى حد القول إنه إذا أظهرت نتائج الانتخابات المقبلة أن خيار نتنياهو الوحيد هو تشكيل حكومة مع منصور عباس أو الذهاب إلى المعارضة، فإنه يتوقع أن يختار نتنياهو الحكومة.
ويستخدم الكاتب صيغة مبالغًا فيها ليؤكد فكرته، قائلًا إنه يتوقع ذلك “بيقين 1000%”، مضيفًا أن نتنياهو، وفق رأيه، قد يتحالف حتى مع شخصيات مثل عزمي بشارة أو أحمد الشرع أو فاروق الشرع إذا كان ذلك سيبقيه في السلطة، قبل أن يضيف ساخرًا أن الشخص الوحيد الذي يحتاج إلى موافقته هو زوجته سارة.
وفي قراءة للاستطلاعات، يقول كسبيت إن نتنياهو نفسه لا يتعافى انتخابيًا، بل إن دعمه يتراجع، بعدما كان قد صعد إلى منطقة 25 و27 مقعدًا، ليعود حاليًا إلى مستوى يقارب 20 مقعدًا أو أقل.
لكن التحسن، بحسبه، يأتي من حلفائه في اليمين، وبينهم سموتريتش وعوفر وينتر وقائمة جنود الاحتياط ويرون زليخا.
ويشير إلى أن نتنياهو دخل الانتخابات السابقة في وضع مثالي تقريبًا، إذ كان يعرف أن فرص هدر أصوات معسكره منخفضة، بينما يرى أن الصورة انعكست هذه المرة.
ويعتبر أن معسكر التغيير يصل إلى الانتخابات في وضع أكثر راحة من ناحية خطر السقوط تحت نسبة الحسم، فيما يرى أن أصوات بني غانتس المهدرة محدودة ومعظمها يأتي أصلًا من جهة اليمين.
أما الخطر الحقيقي، وفق كسبيت، فيوجد داخل معسكر نتنياهو نفسه، إذ إن عدم تجاوز وينتر أو سموتريتش نسبة الحسم قد يؤدي إلى خسارة أصوات حاسمة.
ويضيف أن نتنياهو يعرف جيدًا أن حزبًا يدور عشية الانتخابات حول 5 مقاعد قد ينتهي به المطاف تحت نسبة الحسم، وبالتالي فإن “وجع الرأس الحقيقي” بالنسبة إليه قد يأتي تحديدًا من الجناح اليميني.
وفي جزء آخر من مقاله، ينتقل كسبيت إلى العلاقة مع قطر، معتبرًا أن نتنياهو نجح في جعل النقاش العام يتركز على خلافات معسكر التغيير بدل ملفات 7 تشرين الأول والأموال القطرية.
ويستعيد ما جرى عشية الانتخابات السابقة، حين قرر حزب “بلد” الانفصال عن القائمة المشتركة، في خطوة يقول إنها لم تكن مفهومة انتخابيًا أو سياسيًا.
وينقل أن تقارير نُشرت آنذاك تحدثت عن ضغوط مارسها عزمي بشارة، الزعيم السابق لـ”بلد” والمقيم في قطر، على خلفائه للانفصال، كما ظهرت تقارير تحدثت عن دور قطري في ممارسة تلك الضغوط.
ويكتب كسبيت أن الإسرائيليين لم يكونوا يعرفون آنذاك، بحسب تعبيره، حجم العلاقات القطرية المحيطة بنتنياهو ودائرته.
ويقول إن نتنياهو كان من الذين أقنعوا أمير قطر بضخ مئات ملايين الدولارات نقدًا إلى غزة، مستخدمًا تعبيرًا ساخرًا يقول إن الأموال كانت كأنها “تقصف محمد الضيف ويحيى السنوار بمئات الملايين نقدًا”.
ثم يشير إلى ما ظهر لاحقًا من شبهات وتحقيقات تتعلق بأشخاص قريبين جدًا من نتنياهو، وبتلقي أموال مرتبطة بقطر والعمل على حملات تأثير لصالحها، بحسب ما نُشر في إسرائيل.
ويقول كسبيت إن تلك الحملات هدفت، وفق الاتهامات المنشورة، إلى تحسين صورة قطر والإضرار بصورة مصر والتأثير في الرأي العام الإسرائيلي بعد استشهاد 6 أسرى إسرائيليين على يد حماس في غزة.
ويستعيد الكاتب مراسلات نُشرت من داخل مكتب نتنياهو خلال الحرب، حين كان عشرات الأسرى الإسرائيليين لا يزالون محتجزين في أنفاق غزة.
وينقل عن إيلي فيلدشتاين، الذي يقول إنه فشل في تدقيق أمني لكنه واصل العمل داخل مكتب نتنياهو والاطلاع على أسرار الدولة، رسالة كتب فيها: “في قطر أعربوا عن عدم رضاهم عن تصريحات وزراء في الحكومة الإسرائيلية ضد قطر. في قطر طلبوا ألا يهينوهم، وهم سيعملون من أجل صفقة. في إسرائيل يطلبون من الولايات المتحدة الضغط على قطر لكي تفعل المزيد”.
ويقول كسبيت إن أول من رد على تلك الرسالة كان يوناتان أوريخ، الذي يصفه الكاتب بعبارة حادة مرتبطة بعلاقته بقطر، إذ كتب: “نحن فعلنا ذلك، ألو”.
ويعتبر كسبيت أن هذا الرد يُظهر، وفق قراءته، تفاخر أوريخ بالمشاركة في عملية تأثير مرتبطة بقطر، رغم أنه كان قد نفى في البداية أي علاقة بها، ثم قال لاحقًا إنه لم يتلق أموالًا منها خلال الحرب.
ويشن الكاتب هجومًا شديدًا على نتنياهو بسبب دفاعه عن أوريخ، ويشير إلى أن رئيس الحكومة يقول إنه لم يكن على علم بالعلاقات القطرية لمستشاريه.
ويرد كسبيت بأن نتنياهو، وفق روايته المتكررة، “لم يعرف” ملفات كثيرة أخرى، من حماس إلى كارثة ميرون ووضع جهاز الإطفاء، معتبرًا أن هذا النمط لا يعفيه من المسؤولية.
ويقول إنه إذا كان نتنياهو لا يعرف فعلًا، فعليه أن يغادر أو على الأقل إبعاد الأشخاص المتهمين بعلاقات مالية مع قطر من مكتب رئيس الحكومة، أما إذا كان يعرف، فيترك للقارئ استخلاص النتيجة، قبل أن يضيف أنه شخصيًا مقتنع بأن نتنياهو كان يعرف.
ومن ملف قطر، ينتقل كسبيت إلى سجال داخلي آخر أثارته تصريحات وزير التراث عميحاي إلياهو، الذي قال: “أنا لا أريد تجنيد شخص من كابلان إلى الخدمة القتالية، وفي النهاية عندما يحين الوقت لا ينهض ويهجم”.
ويرى الكاتب أن هذه العبارة تستحق اهتمامًا أكبر من الضجة التي أثارها فيلم “نزا”، مشيرًا إلى أن صانعي الفيلم مواطنون عاديون يمثلون، في تقديره، شريحة صغيرة من الإسرائيليين، بينما إلياهو وزير في الحكومة ويمثل حزبًا سياسيًا كبيرًا.
ويصف كسبيت تصريحات إلياهو بأوصاف شديدة القسوة، معتبرًا أنها تشكل إساءة مباشرة لمئات آلاف الإسرائيليين الذين شاركوا في احتجاجات كابلان.
ويقول إن الملايين شاركوا، وفق بيانات الشرطة التي يستند إليها، في الاحتجاجات خلال عام كامل، وليس في كابلان وحدها أو في أيام السبت فقط، بل في أنحاء البلاد وفي ظروف جوية مختلفة، من المطر إلى الحر الشديد.
ويصف احتجاجات كابلان بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل بفارق كبير، ويقول إن استطلاعات الرأي أظهرت أن نتنياهو فقد جزءًا أساسيًا من دعمه خلال تلك المرحلة بسبب خطة التغييرات القضائية التي قادها ائتلافه.
ويرد على إلياهو بالقول إنه لو لم يُجنَّد الذين شاركوا في كابلان لما بقي، بحسب تعبيره، طيارون أو عناصر في “الشاباك” أو وحدة 8200 أو قوات دبابات ومشاة أو أطباء ومسعفون.
ويضيف أن عددًا كبيرًا من المشاركين في الاحتجاجات اندفعوا، فور اندلاع أحداث 7 تشرين الأول، إلى الجنوب ثم إلى الشمال للمشاركة في القتال وإنقاذ الدولة، بحسب وصفه.
ويستحضر في هذا السياق أسماء جنود قُتلوا، بينهم يارون “نونو” شاي، نجل الوزير السابق يزهار شاي وأحد المشاركين في احتجاجات كابلان، الذي قُتل خلال معركة الدفاع عن كيبوتس كرم شالوم في 7 تشرين الأول.
كما يذكر إيتاي حن، نجل روبي حن، الذي دخل بدبابته إلى منطقة القتال في 7 تشرين الأول وقُتل هناك، إلى جانب عدد كبير من القتلى والجرحى الذين تركوا كل شيء وتوجهوا إلى القتال رغم مشاركتهم السابقة في احتجاجات كابلان.
ويؤكد كسبيت أن من حق أي شخص مخالفة مواقف محتجي كابلان، لكنه يرفض اتهامهم بعدم الاستعداد للقتال.
ويضيف أنه، رغم خلافاته الجوهرية مع الجناح اليميني في الصهيونية الدينية، لم يقلل يومًا من مساهمة أبناء هذا التيار في الجيش الإسرائيلي وفي الحرب الأخيرة، بل إنه يشيد مرارًا بشجاعتهم وتفانيهم وإصرارهم.
ومن هذا الملف ينتقل الكاتب إلى فيلم “نزا”، الذي أثار عاصفة سياسية وإعلامية في إسرائيل بعد عرضه في مهرجان البندقية.
ويقول إنه لا يريد التركيز على مخرجي الفيلم، لافتًا إلى أن حملة تهديد وتحريض بدأت ضدهم، مع وصفهم بـ”الخونة” وظهور دعوات لسحب الجنسية منهم أو طردهم أو معاقبتهم بطرق أخرى.
ويرى كسبيت أن هذه الدعوات غير ضرورية، رغم انتقاده القاسي للفيلم.
ويقر بأنه لم يشاهد الفيلم، لكنه يصفه، استنادًا إلى ما قرأه وشاهده من مقاطع، بأنه نموذج للنفاق والوعظ الأخلاقي وجلد الذات وما يسميه “معاداة السامية الذاتية”.
لكنه يستدرك بأن الديمقراطية تسمح بالتعبير عن أي رأي، حتى لو كان مزعجًا أو مثيرًا للغضب، معتبرًا أن البديل عن ذلك هو نموذج سياسي يشبه تركيا أو إيران، وفق تعبيره.
ويستعيد كسبيت موقفه السابق من المخرج محمد بكري وفيلم “جنين جنين”، قائلًا إنه كان من أقدم الداعمين للجنود الإسرائيليين الذين رفعوا دعاوى ضده، سواء عندما رُفضت القضية لأسباب إجرائية أو عندما قُبلت لاحقًا.
ويقول إن ملاحقة صانعي “نزا” قضائيًا تستلزم تغييرًا تشريعيًا، لأن الفيلم، وفق رأيه، أساء إلى دولة كاملة، مؤكدًا أنه لا يعارض من حيث المبدأ تعديل القانون رغم إدراكه أن الخطوة ستكون شخصية ومباشرة.
ومع ذلك، يرى أن إسرائيل قوية بما يكفي لتحمل أضرار الفيلم، معتبرًا أن صورتها الدولية تعرضت لضربات كبيرة قبل ظهوره بوقت طويل.
ويقول إن فيلم “نزا” لا يشكل بداية الأزمة، وإن جزءًا واسعًا من العالم كان يتبنى أصلًا مقارنات شديدة القسوة تجاه إسرائيل قبل عرضه.
ويشدد على أنه لم يشاهد الفيلم كاملًا، لكنه قرأ مقالًا للصحافي رفيف دروكر، الذي شاهده ووجّه إليه انتقادات حادة، كما شاهد أجزاء منه.
وبرأي كسبيت، فإن المشكلة الأساسية في الفيلم أنه يبدأ روايته من غزة الحالية، بينما يعتقد الكاتب أن القصة يجب أن تبدأ من الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
ويرى أن الانفصال عن غزة كان يفترض أن يكون “تجربة للسلام”، لكنه تحول، بحسب قراءته، إلى نتيجة معاكسة بعد سيطرة حماس على القطاع.
ويستعيد سيطرة حماس على غزة وما رافقها من مواجهات مع حركة فتح، بما فيها إلقاء عناصر من فتح من أسطح المباني وإطلاق النار على أرجلهم، وفق الرواية التي يوردها.
ويقول إن إسرائيل أخلت قطاع غزة بالكامل، لكنها حصلت بدل السلام على ما يسميه “حماستان”.
ويضيف أن المطلوب من الفلسطينيين آنذاك لتجنب الحصار والإغلاق البحري كان الالتزام بـ3 شروط معروفة باسم “شروط الرباعية”: الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والاعتراف بالاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والتوقف عن العمل المسلح.
ويقول كسبيت إن حماس اختارت الخيار الآخر، وإن أجيالًا كاملة من أطفال بلدات غلاف غزة نشأت على وقع الإنذارات المستمرة وفترة تحذير لا تتجاوز 7 ثوانٍ، ما ترك آثارًا نفسية سترافقهم لسنوات طويلة.
ويرى أن المحطة الثانية في أي رواية عن الحرب يجب أن تكون 7 تشرين الأول.
ويورد الكاتب رقم 2000 قتيل في ذلك اليوم، ويقول إن إسقاط هذا الرقم على حجم السكان في الولايات المتحدة يعادل نحو 60 ألف قتيل، أي ما يقارب 30 ضعف عدد قتلى هجمات 11 أيلول، وفق حسابه.
ومن هنا يطرح سؤالًا عما كانت ستفعله أي دولة أخرى لو دخلت جماعة مسلحة إلى أراضيها وقتلت وأحرقت واغتصبت وخطفت عددًا كبيرًا من المسنين والنساء والأطفال والمدنيين.
ويجيب من وجهة نظره بأن الولايات المتحدة كانت ستقتل مئات آلاف المدنيين على الجانب الآخر، وأن روسيا كانت ستقتل الملايين، ويضيف أن دولًا عربية كانت ستتصرف بطريقة مماثلة.
ويذهب كسبيت إلى القول إن الرد الإسرائيلي هو “الأكثر اعتدالًا” مقارنة بما كانت ستفعله دول أخرى في ظروف مشابهة، كما يدعي أن نسبة المدنيين الذين أُصيبوا في الحرب أقل مما وقع في حروب خاضتها الولايات المتحدة أو روسيا أو سوريا أو إيران أو دول أخرى، داعيًا إلى مقارنة الأرقام بمعركة الموصل.
ويستخدم الكاتب الحرب العالمية الثانية لتدعيم حجته، مستعيدًا الجدل بين قادة سلاحي الجو الأميركي والبريطاني بشأن قصف المدن الألمانية.
ويقول إن الأميركيين حاولوا القصف نهارًا لاستهداف منشآت حيوية بصورة أكثر دقة، بينما فضّل البريطانيون الغارات الليلية و”القصف السجادي”، لأنها كانت أكثر أمانًا للطائرات.
ويشير إلى كتاب مالكولم غلادويل “عصابة القاذفات”، الذي تناول هذا الجدل، معتبرًا أن الفارق بين النهجين لم يكن لأن الأميركيين أكثر إنسانية من البريطانيين، بل لأن بريطانيا عاشت تجربة “البلتز” الألماني على لندن وسقط فيها عشرات آلاف المدنيين، بينما لم تتعرض الأراضي الأميركية لتجربة مماثلة.
ويضيف أن أحدًا لا يبدأ رواية الحرب العالمية الثانية من قصف دريسدن، بل من هتلر، ثم يشير إلى القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، معتبرًا أن الهجوم على بيرل هاربر كان جزءًا من السياق الذي سبق ذلك، إضافة إلى التقديرات الأميركية التي قالت إن استخدام القنبلة وفر حياة نحو مليون جندي أميركي كان من الممكن خسارتهم في حال غزو اليابان.
ويقول كسبيت إن الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية تصبح، في رأيه، أكثر تشددًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
ويستعيد هجمات 11 أيلول التي قتلت أكثر من 3000 أميركي، ثم الحربين في أفغانستان والعراق وما خلفتاه من دمار وأعداد كبيرة من القتلى وتداعيات استراتيجية استمرت سنوات.
وفي الوقت نفسه، يعترف كسبيت بأن أحداث 7 تشرين الأول دفعت الإسرائيليين إلى حالة من الغضب والرغبة في الانتقام.
ويقول إنه شخصيًا اعتقد خلال الأسابيع الأولى بعد الهجوم بأنه “لا يوجد أبرياء في غزة ولا غير متورطين”، مضيفًا أنه لا يزال غير واثق من أنه كان مخطئًا من الناحية الواقعية، لكنه يقول إن موقفه تغير أخلاقيًا.
ويشير إلى أنه أدرك أن للحرب قواعد، وأن إسرائيل أكثر من دول أخرى مضطرة إلى الالتزام بها لأنها لا تستطيع العمل في فراغ دولي، وتحتاج إلى دعم دولة كبرى واحدة على الأقل، كما تعتمد على المجتمع الدولي لكي تستمر كدولة غربية حديثة.
ويعود بعد ذلك إلى فيلم “نزا”، قائلًا إنه يقدم شهادات كثيرة لجنود وضباط لكن بوجوه مغطاة، ولا يتحقق، بحسب نقده، من التواريخ أو العمليات أو الوقائع بالتفصيل.
كما يتهم الفيلم بتجاهل استخدام حماس للمساجد والمدارس والمستشفيات كمواقع إطلاق وقيادة وتخزين للبنية التحتية والصواريخ، بحسب الرواية الإسرائيلية التي يتبناها الكاتب.
ويرى أيضًا أن اسم الفيلم “NAZA” يحمل تلميحًا مقصودًا إلى كلمة أخرى ترتبط بالنازية.
ويكرر كسبيت جملة من الاتهامات لحماس، بينها أنها استولت على المساعدات التي دخلت غزة وساهمت، وفق ادعائه، في تجويع السكان، كما يتحدث عن ما يصفه بـ”صناعة التزييف” التي أقنعت قطاعات دولية بوجود إبادة وتجويع.
ويقول إن 3% من سكان غزة قُتلوا خلال الحرب، وإن جزءًا منهم مدنيون، معتبرًا أن الرقم مأساوي لكنه لا يساوي، من وجهة نظره، تعريف الإبادة.
ويستحضر للمقارنة بولندا قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كان يعيش، وفق الأرقام التي يوردها، 3 ملايين يهودي، بينما بقي بعد الحرب 45 ألفًا، معتبرًا أن تلك كانت إبادة، بينما ما وقع في غزة، بحسب رأيه، حرب بدأت بها حماس.
ويستخدم الكاتب في هذا الجزء لغة شديدة القسوة تجاه حماس والفلسطينيين المشاركين في أحداث 7 تشرين الأول، معتبرًا أنهم انتهكوا كل القواعد وارتكبوا أعمال قتل بحق مدنيين إسرائيليين.
لكنه يعود ويضع تحفظًا واضحًا على أداء الجيش الإسرائيلي نفسه، قائلًا إنه يعرف هذه الحرب عن قرب، وإنه يدرك وجود “ظواهر غير جيدة” داخل الجيش.
ويقر بوقوع تجاوزات وحوادث تستوجب التحقيق، وبوجود جنود تجاوزوا الخطوط، وحالات يصفها بأنها “مروعة وسيئة”.
ويقول أيضًا إنه لا يستمتع بمشاهدة أطفال يُقتلون حتى عندما يكونون من غزة، مشيرًا إلى وجود نزعات دينية متطرفة ومخالفات انضباطية داخل الجيش الإسرائيلي وأمور كثيرة تحتاج إلى إصلاح.
لكن كسبيت يرفض، في المقابل، الانتقال من هذه التجاوزات إلى اتهام إسرائيل بالإبادة أو تشبيهها بألمانيا النازية، معتبرًا أن الفارق كبير جدًا.
ويصف الجيش الإسرائيلي بأنه “لا يزال الجيش الأكثر أخلاقية في العالم بقدر ما يمكن لجيش أن يكون أخلاقيًا، وبقدر ما يمكن للحرب أن تكون أخلاقية”، قبل أن يضيف أن الحرب، في جوهرها، لا يمكن أن تكون أخلاقية بالكامل.
ويحمّل الكاتب المجتمع الغزي جزءًا من المسؤولية، مشيرًا إلى أن سكان القطاع انتخبوا حماس، وأن قطاعات منهم دعمتها، ويذهب إلى القول إنهم تحولوا إلى “دروع بشرية طوعية”، بحسب تعبيره، ضمن استراتيجية حماس في معركة الوعي.
كما يستعيد مشاهد من 7 تشرين الأول قال إنها أظهرت مدنيين من غزة يدخلون إلى البلدات الإسرائيلية بعد مقاتلي “النخبة” التابعة لحماس للمشاركة في أعمال نهب وحرق وقتل، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من اللوم يجب أن يوجَّه، وفق رأيه، إلى داخل المجتمع الغزي نفسه.
ويخلص كسبيت إلى أن صانعي فيلم “نزا”، إلى جانب كل ما ينتقده في مضمون الفيلم، قدموا بصورة غير مباشرة خدمة أيضًا للآلة السياسية والإعلامية الداعمة لنتنياهو وللتيارات الدينية القومية المتشددة داخل إسرائيل.
ويرى أن الفيلم، رغم تبرؤ معظم قادة معسكر التغيير منه، تحول إلى أداة دعائية في خدمة معسكر نتنياهو.
ومن هنا، يدعو كسبيت الإسرائيليين الذين يرفضون ما يصفه بجلد الذات بعد 7 تشرين الأول إلى النأي بأنفسهم عن الفيلم وصانعيه، معتبرًا أن المعركة الانتخابية لم تعد تدور فقط على من سيقود الحكومة المقبلة، بل أيضًا على من ينجح في فرض روايته عن 7 تشرين الأول، وحرب غزة، وقطر، ومنصور عباس، وهوية المعسكر القادر على تجميع الأصوات من دون أن تتبدد تحت نسبة الحسم.




