
فتح الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، اللواء في الاحتياط غيورا آيلاند، سلسلة من الملفات العسكرية والسياسية الحساسة، محذرًا من أن تركيا قد تتحول إلى تهديد عسكري أخطر على إسرائيل من إيران، ومعتبرًا أن احتمال وقوع مواجهة إسرائيلية – تركية في سوريا بات سيناريو ممكنًا وخطيرًا. وفي موازاة ذلك، عاد إلى ما سبق 7 تشرين الأول 2023، كاشفًا تفاصيل تحذيرات ولقاءات جرت قبل الهجوم، ومحمّلًا الجيش الإسرائيلي نحو 75% من مسؤولية الإخفاق.
وبحسب مقابلة أجرتها الصحافية ميكي ليفين مع آيلاند في “بودكاست معاريف”، لمناسبة إطلاق كتابه الجديد، تناول المسؤول الأمني السابق إدارة الجبهات في غزة وسوريا وإيران، محذرًا من اتخاذ قرارات عسكرية من دون فحص دقيق للأهداف والكلفة. وتظهر منصة “معاريف” للبودكاست أن حلقة حديثة خُصصت لحديث آيلاند عن التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر واجتماع عقده رئيس الاستخبارات العسكرية السابق مع 8 مسؤولين سابقين.
وقال آيلاند: “نحن في وضع يمكن فيه، في كل الجبهات تقريبًا، تبرير عمل عسكري إسرائيلي هجومي ظاهريًا، لأننا لم نحقق في أي منها انتصارًا كاملًا أو إغلاقًا كاملًا للدائرة يسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية”.
وأضاف: “إذا تحدثنا عن غزة، يمكن دائمًا القول إن حماس تتعاظم، وهذا صحيح، وإننا إذا لم نرغب في العودة إلى واقع ما قبل 6 تشرين الأول 2023 فمن الأفضل أن نتحرك الآن. لا يوجد تبرير موضوعي لذلك، لكنه سهل التسويق نسبيًا. والأمر نفسه في لبنان وسوريا وكذلك أمام إيران. وبمجرد أن تجدّد الحرب، تنشأ أجواء مختلفة في الدولة، وتُدفع جانبًا القضايا التي يريد الجمهور الحديث عنها، من التجنيد إلى غلاء المعيشة وفساد الحكومة”.
ووجّه آيلاند انتقادًا مباشرًا إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قائلًا: “نتنياهو في السنوات الأخيرة هو نتنياهو الذي يضع فعلًا 80%، إن لم يكن أكثر، من مصلحته السياسية والشخصية على حساب أمور أخرى، وهناك أمثلة لا حصر لها على ذلك”.
وعندما سُئل عن الضربة الإسرائيلية في سوريا، التي طُرحت في المقابلة باعتبارها بداية احتكاك مباشر مع تركيا، قال آيلاند إنه يتحفظ عن الخوض في أمور لا يملك معرفة كاملة بها، لكنه أضاف: “أفهم أنه كان هناك منطق في وقف محاولة تمركز تركية ما هناك، لكن من الواضح أن ذلك لم يردع الأتراك”.
وتابع: “إذا كنا نتحدث عن الجبهة السورية، فكما في أمور كثيرة أخرى يجب أن نسأل ما هو التصرف الأصح. لست متأكدًا من أن الصواب هو الوصول إلى صدام مباشر مع تركيا. هذا أمر يعرّض إسرائيل لخطر كبير جدًا”.
ثم ذهب أبعد من ذلك، قائلًا إن “تركيا، إلى حد كبير جدًا، أخطر علينا من إيران”. وردًا على سؤال عمّا إذا كانت أخطر فعلًا، أوضح: “من الناحية العسكرية، نظريًا، هي أخطر بكثير. يمكنها أن تفعل بنا أشياء لا يستطيع الإيرانيون فعلها، والدافع التركي موجود ويتزايد. يجب ألا نعطيهم الأدوات”.
وفي تفسيره للتحول في العلاقة مع أنقرة، تحدث آيلاند عن 3 عناصر، وقال إن أولها لا يتعلق بإسرائيل ولا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بل بـ”الطموحات التركية الموجودة منذ 100 عام”.
وأضاف أن الأتراك الذين حكموا في الماضي إمبراطورية امتدت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يدركون أن تلك الأيام لن تعود، إلا أنهم، وفق روايته، كانوا يقولون بوضوح حتى قبل 25 عامًا، عندما كانت العلاقات مع إسرائيل جيدة، إن تركيا أُجبرت بعد الحرب العالمية الأولى على قبول الحدود التي فرضتها الدول المنتصرة، وإنهم لا يعتبرون تلك الحدود نهائية.
وبحسب آيلاند، كان ضباط أتراك يقولون إن “الحدود الحقيقية لتركيا جنوبًا يجب أن تمر بين حلب في سوريا والموصل في العراق، وإنهم سيعودون إلى هناك يومًا ما”. وأشار كذلك إلى الخلاف في بحر إيجه، حيث توجد جزر على بعد كيلومترات قليلة من تركيا لكنها خاضعة للسيادة اليونانية، وهو أمر قال إن الأتراك لا يعتبرونه مقبولًا.
ووصف هذه النظرة بأنها “روح قومية تركية قوية سبقت أردوغان”، قبل أن ينتقل إلى العامل الثاني المرتبط بالرئيس التركي نفسه، واصفًا أردوغان، من وجهة نظره، بأنه “مزيج مروّع من أيديولوجيا إسلامية متطرفة وجنون العظمة”، وقال إنه يسعى إلى تثبيت حضور تركي في ليبيا والصومال وأماكن أخرى، واليوم في سوريا.
وعن الخطاب التركي الذي يتحدث عن تدمير إسرائيل، قال آيلاند إن هذه اللغة “بدأت في السابق بأمور صغيرة”، مستذكرًا أسطول “مرمرة” التركي عام 2010، ومشيرًا إلى أنه حقق في الحادثة آنذاك بتكليف من الجيش الإسرائيلي، ولم يكتف بفحص الجانب العسكري بل درس أيضًا الدافع التركي خلفها.
وأضاف أن هذا المسار “تصاعد”، معتبرًا أن أردوغان أصبح أكثر تشددًا في مواقفه تجاه إسرائيل، وأنه “يشعر بأنه أقوى منذ أن بدأ ترامب يقول إنه يحبه، وهو يشعر بأن ترامب معجب به”.
ورأى أنه منذ المساعدة التركية في تغيير النظام في سوريا، باتت أنقرة تنظر إلى سوريا باعتبارها “ساحة لعب خاصة بها”، مضيفًا: “لذلك فإن مواجهة محتملة في سوريا بين إسرائيل وتركيا هي سيناريو ممكن بالتأكيد وخطير”.
وفي مقابل ذلك، طرح آيلاند مسارًا آخر، معتبرًا أن إسرائيل تستطيع محاولة التوصل إلى ترتيب مع الرئيس السوري يقوم على عنصرين: أن تنسحب إسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها خلال السنة والنصف الماضية، وفي المقابل تلتزم دمشق، بضمانة أميركية، بعدم إدخال أسلحة تركية متطورة إلى سوريا.
وعندما سُئل ما إذا كانت تركيا قادرة على الالتزام بمثل هذا السيناريو أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال إن الولايات المتحدة، التي تريد مثل هذا الترتيب، يمكن وضعها في موقع الضامن، مضيفًا: “ليس لدى إسرائيل ما تخسره من محاولة الوصول إلى هذا الوضع. وحتى إذا لم يحصل اتفاق كهذا في النهاية، فعلى الأقل تُظهر إسرائيل قدرًا من حسن النية، وليس فقط استخدام القوة والخطاب القوي”.
ومن الملف التركي انتقل آيلاند إلى أحد المحاور الأساسية في رؤيته، معتبرًا أن بعض أكبر إخفاقات المنظومات الأمنية لا تبدأ من نقص المعلومات بل من الطريقة التي يتم بها وصف الواقع وتعريفه.
وقال: “ادعائي الأساسي هو أن معظم الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها على مر السنين كبار رجال الاستخبارات والجنرالات والقادة لا تتعلق بالمجال العسكري الصرف أو الاستخباراتي أو السياسي، بل تنبع من 3 تخصصات أخرى: الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع”.
وأضاف أن “الخطأ الكبير لإسرائيل طوال السنوات التي سبقت 7 أكتوبر وحتى اليوم هو أنها تصف الواقع في غزة بلغة أو توصيف خاطئ، وهذا مضر بل ومدمر”.
ورفض وصف المشكلة بأنها مجرد “كونسبتسيا”، معتبرًا أن الخطاب الإسرائيلي والدولي يصوّر غزة على أنها منطقة يعيش فيها مليونا شخص، ثم جاءت “منظمة إرهابية رهيبة تدعى حماس وسيطرت بالقوة على القطاع”، وبالتالي يجب على إسرائيل، وفق هذا التصوير، أن تحارب حماس وتحمي المدنيين وكأنه “لا علاقة لها بهم”، واصفًا هذا التوصيف بأنه “مروّع”.
وبرأي آيلاند، فإن الواقع كان مختلفًا، إذ قال إنه في عام 2007 نشأت “دولة جديدة تسمى غزة”، وإن حكم حماس جعل القطاع “دولة بحكم الأمر الواقع”.
وأوضح: “الدولة ليست شيئًا معترفًا به كدولة، بل شيء يتصرف كدولة. إنها كيان له حدود واضحة، وسلطة مركزية فاعلة، وسياسة خارجية مستقلة وجيش خاص به”.
وعندما سُئل عما إذا كانت غزة تمتلك سياسة خارجية مستقلة، أجاب: “بالتأكيد. هم ليسوا جزءًا من دولة أخرى. لديهم سياستهم الخارجية وتحالفاتهم واتفاقاتهم، ولديهم جيشهم الخاص. هذه دولة”.
ومن هذا المنطلق، قال آيلاند إن الطريقة الصحيحة، في رأيه، لتعريف أحداث 7 تشرين الأول هي أن “دولة غزة بدأت حربًا ضد دولة إسرائيل، وفي يوم واحد قتلت 1200 إسرائيلي وخطفت 251 شخصًا”.
ولفت إلى أن الخطاب الإسرائيلي استمر في استخدام عبارة “منظمة حماس الإرهابية”، معتبرًا أن وصف حماس بهذه الطريقة يحجب، وفق رؤيته، طبيعة القوة التي بُنيت في القطاع.
وقال إن استخدام حماس أساليب وصفها بـ”الإرهابية” لا يغيّر، برأيه، حقيقة أن غزة أقامت على مدى سنوات “جيشًا حديثًا ومتطورًا يضم عشرات الآلاف، وقوة كوماندوس ممتازة قوامها نحو 3000 شخص”.
وأكد أن الجهات المختلفة في الجيش الإسرائيلي كانت تعرف قبل نحو 5 سنوات من 7 تشرين الأول أن حماس تمتلك قوة كوماندوس بنحو 3000 عنصر، مجهزين ومدربين ويتمتعون بدافع ديني مرتفع، ويتمركزون على بعد دقائق من إسرائيل، ومهمتهم تنفيذ هجوم مفاجئ عليها.
إلا أنه قال إن أكثر التقديرات تشددًا في الجيش قبل عام 2023 كانت تفترض أن السيناريو الأسوأ هو هجوم نحو 60 مسلحًا على عدة نقاط في الوقت نفسه.
وعزا آيلاند هذا الخطأ إلى “الفلسفة”، موضحًا أنه عندما يُعرّف الخصم على أنه “تنظيم إرهابي”، يجري التفكير فيه باعتباره يعمل بواسطة أفراد أو خلايا صغيرة، مستشهدًا بأن عملية خطف الجندي غلعاد شاليط نفذها 8 أشخاص.
وقال: “عندها تقول: تنظيم إرهابي، كيف سيتحرك؟ حسنًا، ليس 8 بل 15. أنت لا تفكر بمفاهيم جيش”.
واعتبر أن التاريخ مليء بأمثلة أدت فيها صياغة خاطئة للواقع إلى دفع دول وسياسيين وأشخاص أذكياء وجنرالات متعلمين إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
وكشف آيلاند أنه توجه في آب 2023، قبل أقل من شهرين على هجوم 7 تشرين الأول، إلى نتنياهو، على خلفية تحذير أمني تبلور لديه بعد اجتماع عقده رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية آنذاك أهارون حليوة، ولاحقًا بعد لقاء مع طيارين في الاحتياط توقفوا عن التطوع بسبب أزمة التعديلات القضائية.
وقال إن حدثين دفعاه إلى طلب الاجتماع مع نتنياهو، وإن الأول كان عندما أعلن حليوة في نهاية حزيران أو خلال تموز 2023 أنه يغيّر تقديره للوضع.
وأوضح أن التقدير حتى كانون الأول 2022 كان أن احتمال الحرب منخفض، لكن حليوة قال في حزيران – تموز 2023 إنه بات يخشى حربًا، “بل حربًا واسعة”.
وقبل عرض التقدير الاستخباراتي المحدّث على المجلس الوزاري، جمع حليوة، بحسب آيلاند، 8 مسؤولين سابقين، بينهم 4 رؤساء سابقين لشعبة الاستخبارات العسكرية و4 رؤساء سابقين لشعبة العمليات، وكان آيلاند من بينهم.
وقال إن حليوة عرض عاملين رئيسيين. الأول هو تعاظم إيران ووكلائها، بحيث بدأت “حلقة النار حول إسرائيل” التي ارتبطت برؤية قاسم سليماني تتحول إلى واقع، مع وجود قدرات لدى حزب الله والميليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن وحماس.
وأوضح أن عنصرين كانا لافتين بصورة خاصة: الأسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أهداف عسكرية وبنى تحتية وطنية، وقوات الاقتحام، وتحديدًا قوة “الرضوان” التابعة لحزب الله و”النخبة” في غزة، اللتان كانتا في جهوزية عملياتية مرتفعة.
أما العامل الثاني فكان الأزمة السياسية داخل إسرائيل وتأثيرها في الجيش، الأمر الذي أدى، بحسب آيلاند، إلى نشوء واقع بدت فيه إسرائيل أضعف في نظر الإيرانيين.
وقال إنه طلب بعد الاجتماع وحصل على إذن لقضاء يوم كامل إضافي في شعبة الاستخبارات، وتحديدًا في قسم الأبحاث، حيث درس قدرات حزب الله وإيران، مضيفًا: “أصبحت أكثر قلقًا. وتوصلت إلى استنتاج بأن دولة إسرائيل قد تجد نفسها خلال بضعة أشهر، في نهاية 2023 أو بداية 2024، أمام ليس مجرد حرب، ولا مجرد حرب إقليمية، بل حرب وجودية”.
وأكد أن رئيس شعبة الاستخبارات ورئيس الأركان وآخرين توجهوا إلى نتنياهو أكثر من مرة، لكنه قال إن الأخير “لم يأخذ أقوالهم على محمل الجد”.
ومع ذلك، شدد آيلاند على أن غالبية انتقاداته موجهة إلى الجيش نفسه، معتبرًا أن الجيش ارتكب سلسلة طويلة من الأخطاء، أحدها الافتراض أنه إذا وقع سيناريو خطير، فسيبدأ في لبنان ومن حزب الله، وأن جودة المعلومات الاستخباراتية عن الحزب ستتيح معرفة ذلك مسبقًا. وقال إن أحدًا لم يتصور أن حماس قد تكون هي التي تبدأ كل شيء.
أما الحدث الثاني الذي دفعه للقاء نتنياهو، فكان اجتماعه مع 5 أو 6 من كبار طياري الاحتياط، الذين وصفهم بأنهم من العناصر الأكثر أهمية في هيكل سلاح الجو، وكانوا قد توقفوا عن التطوع بسبب الصراع حول التعديلات القضائية.
ورفض آيلاند وصف موقفهم بـ”رفض الخدمة”، لكنه اعتبره “إشكاليًا جدًا لناحية الرسالة التي يبعث بها إلى الداخل والخارج”.
وسأل الطيارين عمّا قد يدفعهم للعودة إلى التطوع والخدمة كالمعتاد، فأجابوه، وفق روايته، بأنهم ليسوا سياسيين ولا يفهمون كل تفاصيل الإصلاح القضائي، لكن إذا توصل ائتلاف نتنياهو إلى تسوية مع حزب واحد على الأقل من المعارضة يثقون به، وحددوا صراحة بني غانتس وغادي آيزنكوت، وإذا قال الاثنان إن تسوية تحققت ولا يوجد خطر كبير من “انقلاب على نظام الحكم”، فإنهم سيعودون إلى الطيران.
وعلى أساس هذه المحادثة، طلب آيلاند لقاء نتنياهو. وردًا على سؤال عمّا إذا كان نتنياهو يقدره، قال “نعم”، كما أجاب بأنه بدوره يقدّر نتنياهو “كثيرًا”.
ووفق آيلاند، عُقد اللقاء في 16 آب 2023 واستمر نحو ساعة على انفراد، وقد حمل معه وثيقة من 3 صفحات تتضمن اقتراح تسوية بشأن التعديلات القضائية.
وقال إن نتنياهو راجع معه الاقتراح وسأله ما إذا كان غانتس وآيزنكوت سيقبلان به. وفي اليوم التالي، التقى آيلاند آيزنكوت.
وأضاف: “ربما كنت ساذجًا، لكن الموضوع كان مهمًا بما يكفي بالنسبة إليّ. في رؤيتي، كانت دولة إسرائيل تتجه إلى حرب وجودية”.
وقال إنه حذّر نتنياهو من ذلك، ثم التقى آيزنكوت في اليوم التالي وعرض عليه الوثيقة، فنظر إليها الأخير بعناية وقال له: “يمكنني العيش مع 80% منها”.
وأوضح آيلاند أن المقصود لم يكن 80% مما اقترحه نتنياهو، بل 80% من اقتراح التسوية الذي أعده هو، معتبرًا أن ذلك خلق ما يسمى “منطقة اتفاق ممكنة”.
وأضاف أنه أعاد الجواب إلى نتنياهو، ليس مباشرة بل عبر شخص في مكتبه، وأبلغه أنه يرى أساسًا يمكن البناء عليه للحوار انطلاقًا من الوثيقة، “وهنا انتهى الأمر”.
وفي توزيع المسؤولية عن 7 تشرين الأول، قال آيلاند: “إذا كنت أحلل 7 أكتوبر وأحتاج إلى تقسيم المسؤولية، فإن مسؤولية المستوى السياسي تبلغ 25 إلى 30%، ومسؤولية الجيش 75%”.
ورأى أن 25% “نسبة كبيرة”، لكنه شدد على وجود سلسلة طويلة جدًا من الأخطاء العسكرية، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من تفسيرها يقع في المجالين الفلسفي والنفسي وليس العسكري فقط.
وكشف أنه قبل نحو سنة ونصف من 7 تشرين الأول وصلت إلى الاستخبارات وثيقة مفصلة تتضمن خطة حماس لاجتياح إسرائيل، وصولًا إلى تحديد القوات ومهمات السرايا، لكن المعلومات لم تحصل، وفق قوله، على الوزن المطلوب لأن المنظومة تبنت مسبقًا “إيمانًا” بأن حماس لا تريد الحرب ولا تستطيع خوضها.
وفرّق بين “الكونسبتسيا” و”الإيمان”، قائلًا إن الأولى تنبع من مسار تفكير، أما الإيمان فهو شعور أعمق على المستوى النفسي والعاطفي، مضيفًا: “عندما تصل كصاحب قرار إلى إيمان بأن أمرًا معينًا سيحدث وآخر لن يحدث، فلن تسمح للحقائق بأن تربكك. ستبقى مع إيمانك”.
وقارن ذلك بحرب تشرين الأول 1973، مشيرًا إلى أن رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك إيلي زعيرا كان يؤمن بأن الحرب لن تندلع، واستمر في اعتقاده حتى بعد وصول معلومات دراماتيكية عن إجلاء عاجل لآلاف المستشارين السوفيات وعائلاتهم من سوريا.
وعندما سُئل عما إذا كانت هناك حقائق كافية عام 2023، أجاب: “كانت موجودة بوفرة. لكن تحت الاعتقاد بأن حماس غير معنية أو غير قادرة أو لا تريد أو مردوعة، لا يهم ما كانت الحقائق، حتى لو كانت الأكثر حسمًا وكانت متاحة”.
كما اعتبر أن رئيس الأركان هرتسي هاليفي وقع ليلة 7 تشرين الأول في خطأ مشابه لذلك الذي وقع فيه رئيس الأركان دافيد إلعازار عام 1973، حين أدى تقدير بأن احتمال الحرب منخفض إلى الاستنتاج بأنه لا حاجة إلى تحرك مهم.
واستخدم آيلاند مفهوم “توقّع الضرر” لتوضيح فكرته، وقال إنه إذا أبلغ مهندس شخصًا بوجود احتمال 10% لانهيار مبنى خلال ساعة، فإن أي إنسان عاقل سيغادر المبنى، رغم انخفاض احتمال الانهيار، لأن الضرر المحتمل هائل والجهد المطلوب لتفاديه محدود.
وأضاف أنه عام 1973 لم يكن من الضروري بالضرورة تعبئة كل قوات الاحتياط، لكن الجيش النظامي كان موجودًا، وإذا كان هناك حتى احتمال 10% لاندلاع الحرب، فالحد الأدنى المطلوب كان نشره في جهوزية قتالية.
وقال: “كلما كان توقّع الضرر أعلى، وكلما كان الجهد المطلوب أقل، كان من الصحيح التحرك حتى عندما يكون الاحتمال منخفضًا”.
وعن المشاورات التي أجراها رئيس الأركان عند الساعة 4 فجرًا ليلة 7 تشرين الأول، قال آيلاند إن هناك أمورًا يعرفها لكنه غير مخوّل وصفها.
وأضاف: “في الخلاصة، خلال الساعات الـ24 الأخيرة التي سبقت 7 أكتوبر، وخصوصًا في تلك الليلة، كان هناك أكثر من أمر غريب، لكن لم يكن هناك أحد جمع الأمور ببعضها كما يجب”.
وأكد أنه لو جرى الربط بينها لكان من الممكن فهم أن احتمال حدوث أمر ما أعلى بكثير.
وأضاف أنه حتى لو رأى رئيس الأركان أن الاحتمال منخفض، كان يمكن اتخاذ خطوات بسيطة، بينها وضع كل من هو موجود أصلًا في فرقة غزة في حالة تأهب كاملة، إضافة إلى رفع جهوزية مروحيات الهجوم إلى أعلى مستوى، باعتبارها “أفضل استجابة للاجتياح”.
وقال: “كان يمكن للناس ألا يناموا بضع ساعات صباح السبت، لا مشكلة. لكنه لم يتخذ القرار، ولم يقترح عليه أحد اتخاذه. الأمر لا يتعلق به وحده”.
كما وجّه انتقادات إلى التخطيط المادي للمواقع العسكرية، مستشهدًا بموقع ناحل عوز، حيث كان، بحسب قوله، نحو 100 جندي مسلح، إلا أنه عندما ركض مئات المسلحين نحو 800 متر في أرض مكشوفة باتجاه الموقع، لم تُطلق عليهم النيران تقريبًا.
وقال إنه يتحدث عن هذا الخطأ منذ 20 عامًا أو أكثر، معتبرًا أن المواقع التي بناها الجيش صُممت بطريقة سيئة وكانت مكشوفة، بحيث كان يُطلب من الجنود، بمن فيهم المقاتلون، عند إطلاق الصواريخ الركض إلى الملجأ أو التحصين.
وأضاف: “وفي تلك المرحلة يركض العدو مسافة الـ800 متر نفسها. لو بُنيت المواقع كما يجب، لكان بالإمكان البقاء فيها حتى خلال إطلاق الصواريخ”.
وأشار آيلاند إلى أنه في نهاية عام 2022، وقبل الحرب، طُلب منه كتابة فصل في كتاب “يوم الأمر” عن الدروس المستخلصة من حرب تشرين 1973 التي لم تتم معالجتها.
وقال إنه كتب فصلًا من 25 صفحة وركز على 6 إخفاقات مؤلمة كان يعرف أنها لم تُصحح، مضيفًا: “وكلها حدثت في 7 أكتوبر. هل فعلت أكثر لمنع ذلك؟ على الأرجح لا”.
وكشف كذلك عن جولة تفتيش أجراها في موقع جبل الشيخ قبل الحرب بسنوات. وقال إنه شاهد عبر التلفزيون قائد موقع يشرح أنه في حال شنّ كوماندوس سوري هجومًا سيستدعي قوات ومروحيات، فاتصل بقائد المنطقة الشمالية آنذاك أمير برعام.
وقال: “بالنسبة إليّ هذه ليست إجابة قائد فصيل. قائد الفصيل يجب أن يتحدث بمصطلحات: أنا بقوتي أقضي عليهم”.
وأوضح أن برعام طلب منه الصعود إلى الموقع وإجراء تقييم، فوصل يوم جمعة وسأل القائد عن عدد الجنود الموجودين، ليعطيه الأخير رقمًا “منخفضًا بشكل مذهل”. وعندما استفسر عن السبب، أجابه بأن هذا العدد خاص بيومي الجمعة والسبت.
فرد عليه آيلاند: “هل لديك اتفاق مع الجيش السوري على ألا يهاجمك يومي الجمعة والسبت؟”.
ورأى أن ظواهر كثيرة من هذا النوع كانت موجودة، بعضها مهني بحت وبعضها مرتبط بـ”ثقافة تنظيمية إشكالية جدًا”.
وبعد نحو 3 سنوات من الحرب واستمرار الجبهات مفتوحة، تناول آيلاند مفهوم “النصر الكامل”، معتبرًا أن الخروج إلى أي حرب، سواء في إيران أو غزة أو أي مكان آخر، يجب أن يبدأ بتحديد الأهداف.
وقال إن المشكلة تكمن في أن تعريف الهدف هو كلمات، “والكلمات يسهل رفع سقفها”، مضيفًا أنه لا يمكن للمستوى السياسي أن يحدد هدفًا ثم يقول للجيش: “هيا اذهبوا وحققوه”.
وشدد على ضرورة إجراء حوار يعود باستمرار إلى الأهداف ويضع 3 أسئلة على الطاولة: هل تملك إسرائيل الأدوات اللازمة لتحقيق الهدف؟ هل يملك العدو وسائل لإفشال تحقيقه؟ وحتى إذا كان الهدف قابلًا للتحقيق، فهل الثمن يستحق؟
وأوضح أن مثل هذا النقاش لا يمكن أن يستمر ساعة ثم ينتهي بقرار، بل يتطلب ساعات من الحوار الاستراتيجي الذي يفحص مختلف الحالات والسيناريوهات.
وقال إن النتيجة قد تكون أن الهدف ممكن وصحيح ويجب تحقيقه، أو أنه أكبر من القدرة المتاحة فلا يتم خوض المعركة، أو أن تُشن الحرب مع تخفيض سقف الأهداف إلى مستوى يمكن تحمله.
وفي غزة، قال آيلاند إن إسرائيل حققت “إنجازًا جيدًا” شرط معرفة كيفية استثماره، مشيرًا إلى أنها تسيطر على نحو 55% من مساحة القطاع، وأن الأكثر أهمية، برأيه، هو أنه في المناطق التي يوجد فيها الجيش الإسرائيلي “لا توجد حماس، ولا يوجد مدنيون أيضًا”، واصفًا ذلك بأنه “درس مهم جدًا”.
وعندما سُئل عمّا إذا كان يؤيد الاتفاق الذي يشمل دخول قوات دولية مع تركيا وقطر، أجاب: “إطلاقًا”.
وأضاف أن الموقف الإسرائيلي المبدئي، في رأيه، صحيح، ومضمونه الاستعداد لتقديم تسهيلات كثيرة وربما حتى الانسحاب من “الخط الأصفر”، رغم أنه يرى أنه لا ينبغي الانسحاب منه، لكن بشرط نزع سلاح حماس. وقال إنه ما دامت الحركة لم تنزع سلاحها، فلا ينبغي تنفيذ ذلك.
وانتقد أيضًا المساعدات التي تشارك إسرائيل بصورة فاعلة في إدخالها إلى غزة، واصفًا ذلك بأنه “خطأ فادح”.
وقال إن هذا التصرف يعني فعليًا أن إسرائيل تتحمل مسؤولية ما يجري في القطاع، متسائلًا، انطلاقًا من تعريفه لغزة كـ”دولة عدو هاجمت إسرائيل”، عن سبب تحمل إسرائيل مسؤولية رفاه سكانها، ومشيرًا إلى وجود حدود للقطاع مع مصر، “فليساعدهم المصريون”.
ورأى آيلاند أن “ليس لإسرائيل مصلحة في إعادة إعمار غزة”، رافضًا الطرح القائل إن حماس والفلسطينيين يتحركون بدافع اليأس وإن تحسين الظروف سيخفض هذا الدافع.
وقال: “لا. هم يتحركون للسبب المعاكس لليأس، وهو الأمل”.
وأضاف أن غزة قبل 7 تشرين الأول كانت، بحسب توصيفه، “في وضع اقتصادي ممتاز نسبيًا”، ومن بين أسباب ذلك “المليارات التي سمحنا لقطر بإدخالها إلى هناك”، ومع ذلك خرجت إلى الحرب.
وخلص آيلاند إلى القول إن ما دفع إلى الحرب، وفق رؤيته، “لم يكن اليأس بل الأمل بالنجاح”، معتبرًا أنه “كلما أعيد إعمار غزة وازدهرت، ازدادت أيضًا الدافعية للقيام بذلك”.
وبين تحذيره من تصاعد القوة التركية ومراجعته لإخفاقات 7 تشرين الأول، يضع آيلاند جوهر المشكلة في مكان واحد: ليس فقط في حجم المعلومات أو القوة العسكرية المتاحة، بل في كيفية قراءة التهديد قبل أن يتحول من احتمال على الورق إلى واقع يصعب احتواؤه.




