
في الوقت الذي تتسابق فيه كازينوهات قبرص على استقطاب اللاعبين الأجانب، يبدو أن مجلس إدارة كازينو لبنان وجد معادلته الخاصة: حين يغيب اللاعب الأجنبي، تُملأ الروزنامة بالحفلات والعروض. أما السؤال عن عدد الزوار الذين أتوا إلى لبنان للعب والإنفاق، فيبقى بلا جواب.
برنامج الأسابيع المقبلة في الكازينو يقدّم صورة ساخرة عن الأولويات: “بحيرة البجع” في الأول من تشرين الثاني، وتحّية لجو داسين في السابع منه، ثم “Hayat Project” في 18 تشرين الثاني، و”Muscle” في 25 منه، وصولاً إلى “Forever Pop” في 28 تشرين الثاني. عروض متنوعة بلا شك؛ لكن كم لاعباً أجنبياً استقطبت؟ وكم ليلة فندقية أضافت؟ وكم دولاراً سياحياً أدخلت إلى لبنان؟ لا أرقام تجيب. يبدو أن الروزنامة تعرف أسماء العروض ومواعيدها، فيما لا يعرف الجمهور شيئاً عن حصيلة استقطاب اللاعبين الأجانب.
في شمال قبرص، لا يُترك استقطاب الزوار للشعارات. فالقانون يربط ترخيص الكازينو بمنشأة سياحية من فئة خمس نجوم أو بمنتجع كبير لا تقل سعته عن 750 سريراً، وفق النص الحالي. كما يمنع سكان المنطقة من دخول صالات اللعب، مع استثناء المواطنين المقيمين خارجها، ويقيّد الإعلان داخل السوق المحلية. هناك، بُنيت قواعد القطاع لتوجيهه نحو الزائر الخارجي.
والاستقطاب لا يتوقف عند باب صالة اللعب. ففنادق الكازينوهات تُعرض ضمن باقات تشمل الطيران والإقامة والنقل من المطار. وفي جمهورية قبرص، سُجّل 65,989 لاعباً نشطاً في عام 2025، وكان عدد اللاعبين الدوليين نحو ستة أضعاف عدد القبارصة، فيما بلغت إيرادات اللعب 227 مليون يورو. أما جمعية مشغّلي كازينوهات شمال الجزيرة فتقول إن الزوار الدوليين يساهمون بنحو 85% من الإيرادات. هناك، يعرفون من يستقطبون ويقيسون النتائج؛ في لبنان، ما زلنا نعدّ الحفلات.
والأكثر إحراجاً أن لبنانيين يقصدون كازينوهات شمال الجزيرة، فيما تضع بيانات جمهورية قبرص اللبنانيين بين الفئات المساهمة بقوة في إيرادات كازينوهاتها. أي إن وجهات منافسة تستقطب إنفاقاً لبنانياً، بينما لا ينشر كازينو لبنان أرقاماً حديثة تبيّن عدد اللاعبين الأجانب الذين نجح في جذبهم أو حجم ما أنفقوه.
كازينو لبنان لا يدير فندقاً خاصاً به، ويذكر ديوان المحاسبة أن تسوية عام 2007 أسقطت تعهداً سابقاً ببناء فندق. وبعد سنوات طويلة، لا يقدّم مجلس الإدارة بديلاً متكاملاً: لا باقات سياحية معلنة تُقاس نتائجها، ولا بيانات عن اللاعبين الأجانب، ولا أرقام عن أثر الحفلات على الإقامة والإنفاق.
والامتياز الحصري ليس شيكاً على بياض لمجلس الإدارة. فالقانون رقم 417 لعام 1995 منح شركة كازينو لبنان حقاً حصرياً باستثمار ألعاب القمار في النادي الوحيد في المعاملتين، ضمن عقد استثمار مدته ثلاثون عاماً، وكانت الغاية المعلنة تعزيز إيرادات الدولة وتنمية القطاع. وبحسب تقرير لجنة التحقيق الخاصة، تحصل وزارة المالية على 50% من مكاسب ألعاب الطاولات والآلات التي يحتفظ بها الكازينو. هذه هي الحصرية: مقابل مالي للدولة وقطاع يتطور. أما أن تُملأ الروزنامة بالعروض من دون نشر ما يثبت أثرها السياحي أو استقطابها للاعبين الأجانب، فلا يكفي لتبرير الامتياز ولا لإثبات حسن إدارته.
قد تشير الإدارة إلى برنامج مكافآت يتضمن مزايا للسفر والنقل والإقامة في فنادق شريكة. لكن أين النتائج؟ كم أجنبياً استقطبت هذه المزايا؟ وما حصة اللاعبين المقيمين خارج لبنان من الإيرادات؟ آخر توزيع معلن يعود إلى عام 2011، وقدّر اللاعبين المحليين بـ64% والزوار الإقليميين بـ26%. خمسة عشر عاماً مرّت، ولا رقم حديثاً يقدمه المجلس أو المساهم الأكبر عن جمهور الكازينو أو عن أثر حفلاته.
الحفلات ليست المشكلة؛ المشكلة أن مجلس الإدارة يتصرف كأنها جواب عن سؤال السياحة، فيما يكتفي المساهم المسيطر بالصمت عن حصيلة نفوذه ورقابته. إقامة “بحيرة البجع” أو تحية فنية لجو داسين لا تثبت أن الكازينو استقطب لاعباً أجنبياً واحداً. وإذا كانت هذه العروض تجلب زواراً من الخارج، فلتعلن الإدارة عددهم وليالي إقامتهم وإنفاقهم. أما إذا كان جمهورها محلياً، فهي نشاطات ترفيهية داخلية، لا استقطاباً سياحياً ولا تعويضاً عن غياب خطة لجذب اللاعبين.
الأزمة الأمنية والاقتصادية تفسّر تراجع السياح، لكنها لا تبرر غياب الخطة ولا حجب النتائج. وقد أشار تقرير لجنة التحقيق الخاصة إلى تراجع زوار الكازينو وإيراداته بالتزامن مع تراجع الاقتصاد والسياحة. وفي اجتماع عقده وزير المالية ياسين جابر مع إدارة الكازينو في آب 2026، طُرحت أولويات تحسين الإيرادات والكفاءة والحوكمة وتنشيط الفعاليات؛ لكن الأولويات العامة لا تكفي، ولا تحوّل الروزنامة إلى استراتيجية.
المسؤولية هنا مشتركة، لكنها ليست متساوية: مجلس الإدارة مسؤول عن الإدارة اليومية والنتائج؛ و”إنترا”، بوصفها المساهم الأكبر وصاحبة النفوذ، مسؤولة عن الرقابة والشفافية ومحاسبة من اختارتهم لإدارة الكازينو؛ أما بقية المساهمين فعليهم ألا يتعاملوا مع الامتياز كأنه مصدر عائدات بلا التزامات. فحين يذهب اللاعب اللبناني إلى قبرص، وتُستورد العروض إلى لبنان، ولا تُنشر أرقام عن استقطاب الأجانب، لا يكون الفشل فشل مجلس وحده؛ بل فشل منظومة مالكين ومساهمين تركت الكازينو يصدّر لاعبيه ويستورد الحفلات.




