الواقع المرير وغياب مفهوم الدولة

أمام هذا الواقع المرير لم يعد لمفهوم الدولة مكان في لبنان. وفي الأساس لم يكن هنالك شعور بالانتماء الوطني للبنانيّين، بل أنّ الانتماء المذهبي هو الطاغي

كتب رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية “وسام القاضي” في جريدة الأنباء، ما يلي:

البعض يحمّل وزر الأزمة للطبقة السياسية. البعض الآخر يحمّل الشعب سوء اختيار الطبقة السياسية عبر تصويته في الانتخابات النيابية. وهنالك من يحمّل النظام اللبناني الخلل الحاصل عبر هيكليّته المستندة إلى التوزيع الطائفي. لكن الكل يتغاضى عن أنّ المشكلة الأساس تكمن في القبول بالمحاصصات المذهبية عبر ما يسمى بالحكم التوافقي؛ فألغيَ مفهوم الحكم بالسلطة والمعارضة، وأصبح التوافق هو العنوان العريض لسياسة الحكم. وتحت اسم التوافق تمّت المحاصصة في تنفيذ المشاريع والتوظيفات في إدارات الدولة وفق المحاسيب، وفُقِدَ مفهوم اختيار الجدارة، ولم يعد الموظف المناسب في المكان المناسب.

كيف يمكن تطوير هذا النظام المتخلّف إذا كانت الأحزاب التي تتمتع بنعمة المشاركة في الحكم قد وافقت على مفهوم المحاصصة، وبالتالي كل حديث عن الذهاب إلى الدولة المدنية يتعارض مع مفهوم المحاصصة الذي أرسى أسسه الحكم التوافقي، وبالتالي مفهوم الدولة المدنية هو محض خيال.

وفيما خصّ الأجهزة الرقابية فهي مغيّبة كلياً لأنّ موظفي الإدارة العامة تولوا مسؤولياتهم في أجهزة الدولة عبر نظام المحاصصة، وليس عبر الجدارة من خلال مجلس الخدمة المدنية. وبالتالي كل موظف هو محمي من مرجعيّته وبالتالي لا يمكن محاسبته عن أي تقصير في مهام عمله. والأخطر في ذلك أنّ المرجعية السياسية في ظل النظام الطائفي، وغياب قانون عصري للأحزاب هي مرجعيات مذهبية، وبالتالي أي تأنيب للموظف أصبح يعتبر تأنيباً للمذهب الذي ينتمي إليه الموظف المذكور.

هل من الممكن إصدار قانون عصري للأحزاب؟ بالطبع لا، لأنّ غالبية الأحزاب الموجودة في المجلس لن تساوم على التمثيل التي حصلت عليه وفق النظام الطائفي الذي شرّع التمثيل المذهبي حسب العرف لذلك فإن الخطوة الأولى في حال القبول بالدولة المدنية هي صدور قانون جديد للأحزاب لا يتماشى مع التمثيل المذهبي، وهذا لن يتم حيث أنّ الأحزاب والتنظيمات التي تشارك في السلطة تستند إلى قاعدة جماهيرية مذهبية تنتشر في مناطق بيئتها.

أمام هذا الواقع المرير لم يعد لمفهوم الدولة مكان في لبنان. وفي الأساس لم يكن هنالك شعور بالانتماء الوطني للبنانيّين، بل أنّ الانتماء المذهبي هو الطاغي على شعور غالبية اللبنانيّين، وأصبحت مرجعيتهم هي المرجعية السياسية لمذهبهم بدل أن تكون مرجعية الدولة.

لذلك لا بدّ من خطوة نوعية قد تكون قراءة نقدية، أو مراجعة ذاتية لمسيرة حزبٍ ما أو تنظيمٍ ما. وقد تكون في ظهور حركاتٍ جديدة من مجموعات مثقفة وواعية، وتدرك مخاطر الوضع، وليس حركات تبغي هدف، “قوم لأجلس مكانك “. لا بد من قفزةٍ نوعية تستجيب لآلام الناس وهمومها. قفزة تحقق طموح جيل الشباب في وطنه، وليس في دنيا الاغتراب. قفزة في تأمين الحد الأدنى من مقوّمات الحياة في لبنان.

قد يبدو أنّه النداء الأخير قبل الانهيار الكبير، ولا يمكن الرهان على مجموعات ما زالت تتحرك وتتجيّش وفق العصبية المذهبية، بل الرهان على مَن كسر حاجز الخوف وتحدّى بثقافته ووعيه وإدراكه جدار الواقع المذهبي المرير الذي يجرّ لبنان نحو مزيدٍ من التشرذم والتفتيت.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى