
كتبت جوانا فرحات في المركزية:
على وقع الزغاريد والإحتفالات ينام أهالي المدن والقرى السورية في الذكرى الأولى على سقوط نظام آل الأسد في 8 كانون الأول الماضي والذي دام لأكثر من نصف قرن.
وفي لبنان لا يزال ملف النازحين السوريين من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا بالنسبة إلى الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على حدّ سواء. وفي حين تروّج أوساط سياسية وأمنية وإعلامية عن عبور أفواج من النازحين السوريين الحدود عائدة إلى قراها ومنازلها، إلا أن خطة العودة التي “صُمّمت” خلال الأشهر الماضية لا تزال وهمية. وما يُحكى عن تبدل جذري في حياة مئات آلاف السوريين بعد عودتهم لوطنهم على ذمة الراوي!. لكن الأهم أنه لا يزال حوالى مليون ونصف نازح سوري في لبنان يشكلون العبء الأكبر على الدولة والبنى التحتية ولا من يسأل.
فمنذ تشكيل الحكومة الانتقالية قدّم الجانب السوري وعودًا بتأمين عودة آمنة وعدم ملاحقة النازحين العائدين إلى سوريا وإلغاء جزء من المذكرات الأمنية السابقة، وفتح معابر مخصصة للعودة الطوعية مقابل مساعي قامت بها الدولة اللبنانية لاستثمار “الإنقلاب” السياسي الذي حصل في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد لإطلاق مسارالعودة بشكل واسع. غير أن هذه التعهدات بقيت جزئية وغير مكتملة. عدد كبير من السوريين لا يزال يخشى العودة بسبب غياب الثقة بالمناخ الأمني الجديد، فيما اعتبرت منظمات حقوقية أن البيئة في سوريا، وعلى رغم تحسنها النسبي، ما زالت هشّة وغير مستقرة بالكامل، والدليل ما جرى في السويداء وبعض القرى في ريف دمشق والإنقسامات التي تهدد مستقبل سوريا.
بالتوازي، أعلنت الحكومة اللبنانية، عن سلسلة إجراءات لتسهيل العودة بالتنسيق مع مفوضية اللاجئين، أبرزها إنشاء مراكز تسجيل للراغبين بالعودة في مختلف المناطق، وإعداد لوائح بأسماء الراغبين وإرسالها إلى الجانب السوري لإخضاعها للتدقيق الأمني، وتنظيم دفعات عودة طوعية عبر الحدود البرية. إلا أن الجهد السياسي اللبناني، اصطدم بواقعتين: بطء الآلية من الجهة السورية في مسألة التدقيق بالملفات الأمنية للراغبين بالعودة، ورفض عدد كبير من النازحين العودة قبل التأكد من سلامة قراهم وممتلكاتهم. وعليه لم تتجاوز أرقام العائدين خلال العام الأول على ذكرى سقوط الأسد عشرات الآلاف، وهي نسبة أقل بكثير مما كانت تتوقعه السلطات اللبنانية.
وزير المهجرين السابق في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عصام شرف الدين يصف عودة النازحين السوريين بالخجولة جداً ، مشيرا إلى أن مفوضية شؤون اللاجئين تتولى هذه المهمة بالتعاون والتنسيق مع مديرية الأمن العام إلا أن الأعداد لا تتجاوز العشرين عائلة في كل قافلة، علما أن الموضوع وجودي وحساس. هذا ولم نتطرق بعد إلى وجود مسألة الولادات التي حصلت ووصل عددها إلى 900 ألف وغالبيتها مسجلة ب “مكتومي القيد” مما يرتب على ذلك محاذير قانونية وخللا ديمغرافيا في المستقبل.
وبالمباشر يوضح شرف الدين لـ”المركزية” أن الحكومة لم تضع ملف النازحين السوريين في أولوياتها وهناك تلكؤ فاضح في هذه المسألة إذ لم نر أي مسؤول في وزارة الشؤون الاجتماعية أو وزارة المهجرين أو لدى من الجهات المعنية السياسية أو الأمنية يعمل على تحريك الملف في ظلّ المتغيرات السياسية الحاصلة وهذا ما لا يجب السكوت عنه”.
وردا على السؤال حول أسباب التلكؤ الرسمي يجيب شرف الدين”الجواب برسم رئيس الحكومة نواف سلام الذي يعتبر أنهم لا يشكلون خطراً وجودياً علما أنه لا تزال هناك مخيمات تضم أعدادا كبيرة من النازحين الذين رفضوا العودة بحجة الأوضاع الأمنية والإقتصادية والإجتماعية وقد ذُللت في غالبيتها بعد تولي أحمد الشرع الرئاسة وتشكيل حكومة إنتقالية إضافة إلى الإحتضان العربي والدولي والوعود بإعادة إعمار سوريا فلماذا يصرون على البقاء وبصفة نازحين في لبنان؟
في مسألة توقف المساعدات عن النازحين السوريين يلفت شرف الدين أن الدول الأوروبية بدأت تعتمد سياسة الترحيل مع إعطاء ضمانات لهم كما الحال في ألمانيا التي يعيش فيها حوالى مليون نازح سوري. لكن في لبنان كلنا يعلم أن اليد العاملة السورية تشكل رافعة مهمة في قطاعات البناء والزراعة أما اليوم فقد تعدتها إلى التجارة والصناعة وبالتالي لم يعد الاتكال على المساعدات المالية التي كانوا يتلقونها من المفوضية العليا للمهجرين.
ويختم شرف الدين “الأكيد أن عودة مليوني نازح إلى سوريا يشكل عبئا على الدولة السورية عدا أن الأموال التي يرسلها النازحون في الدول التي لجأوا إليها ومنها لبنان وكلها بالعملات الأجنبية باتت تشكل مصدرا مهما لخزينة الدولة “.
مصادر متابعة أوضحت أن ثمة شروطا وضعها النازحون السوريون لأي عودة جماعية، وهي ضمان عدم الاعتقال أو التجنيد القسري أو الانتقام، واستعادة ممتلكاتهم أو الحصول على تعويضات. إلا أنّ الحكومة الانتقالية وعلى رغم محاولاتها معالجة ملف الملكيات، لم تنجح حتى اللحظة في تقديم آلية واضحة لحل النزاعات العقارية التي خلّفها النظام السابق، خصوصًا في المناطق التي شهدت تدميرًا واسعًا أو عمليات مصادرة.
وهذا الغموض القانوني شكّل عاملًا حاسمًا في إبقاء آلاف العائلات في لبنان، على رغم الظروف الاقتصادية القاسية، والآتي قد يكون أكثر تعقيدا وفق المصادر.



