سلايداتمقالات

حين يتصدّع الإنسان في الحرب قبل الجغرافيا

كتب عقل العويط:

في الشرق الأوسط اليوم، لا تُقاس الحربُ بعدد الصواريخ فحسب، ولا بمساحة الدمار على الخرائط، بل بارتجافِ قلبِ أمٍّ، وبذهولِ طفلٍ استيقظ مرعوبًا على دويِّ انفجارٍ، وبمدينةٍ تتلاشى ملامحُها كما يذوب الماضي في ذاكرة الإنسان.
من امتداد النيران في أكثر من ساحة، إلى ارتداد شظاياها نحو بلدان الخليج والعواصم العربيّة، وحتّى بلوغ أصدائها شواطئ قبرص، تبدو الحرب موجةً عاتيةً لا تعترف بالحدود، ولا تفرّق بين جبهة وأخرى. إنّها نارٌ تتغذّى على هشاشة الإقليم، وتمتدّ كلما ظنّ البعض أنّها قابلة للاحتواء.
وفي قلب كلّ هذه التفاعلات الإقليميّة، يبقى لبنان ساحة تجربة مؤلمة للإنسان والمجتمع. فالذاكرة هنا مثقلة بلعنة حروب تتكرّر بأسماء مختلفة، ويعود شبح التجربة ليوقظ الهواجس القديمة. فالحرب في لبنان تاريخ حيّ محفور في الجدران، في الوجوه، وفي الوجدان.
وما يزيد المأساة قسوةً أنّ من انبرى لإشعالها مجدّدًا، لم يفعل ذلك سهوًا أو تحت وطأة التباس، بل عن سابق تصوّر وتصميم. زرع الموت وهو يعرف تمامًا أنّ الطريق ينتهي إلى الهاوية. لم يتعثّر؛ اختار السقوط. لم يُخدع؛ قرّر أن يطعن وطنه وشعبه في انتحار معلن، لا يكتفي بنفسه، بل يجرّ الجميع إلى جهنّم مفتوحة على كلّ الاحتمالات.
لم تكن المسألةُ مجرّدَ ثأرٍ، يؤكّد العارفون، بل كانت امتثالًا لطلبٍ إيرانيٍّ قضى بخدمة أهداف طهران الاستراتيجيّة، ومنحها ورقة ضغط إضافيّة في معركتها المفتوحة، من خلال تعريض الأوضاع الأمنيّة والاقتصاديّة في المنطقة والعالم لمزيد من الزعزعة، وزرع القلق والفوضى في الأسواق والمجتمعات.
أحدثت هذه الخطوة، بما انطوت عليه من مخادعةٍ فاضحة، صدمةً عميقةً في الداخل اللبنانيّ، وطنيّةً ووجدانيّةً في آنٍ واحد. فقد ضُرِبَ بعرض الحائط بمصالح الدولة وقرارات الحكومة ورغبة الشعب. وُضع لبنان في قلب عاصفةٍ إقليميّة، ومُنِحَت إسرائيلُ هديّة وذريعةً، رغم أنّها لا تحتاج إليهما، لتفعيل خططها القائمة أصلًا وتوسيع نطاق عمليّاتها، فتمدّدت دائرةُ النار.
هذه ليست حماقةً عابرة، ولا مغامرةً التحفت بخطابٍ حماسيّ ولغةٍ خشبيّة. كَثُرَ مَن قرأها بوصفها خيانةً جماعيّةً مكتملةَ الأركان. خيانة للوطن لصالح بلد آخر حين تُحوَّل ساحته إلى منصّات نار ورسائل دمويّة، وخيانة للمنطق حين يُستبدل العقل بأفعال عبثيّة، وخيانة للإنسان حين يُختزل دمه في حسابات تتغلّب فيها الأيديولوجيا العمياء على كلّ فكر ووعي.
عندها يغدو الخراب مشروعًا، والكارثة خيارًا، والموت منيةً ونشدانًا، كأنّ التضحية بالناس بطولة، وكأنّ المقامرة بالمصير شجاعة.
ومن خارج الحدث اللبنانيّ وتداعياته، الحرب في معناها الوجداني ليست حدثًا عسكريًّا يُدرج في تقارير المساء، ولا في العواجل نهارًا وليلًا؛ إنّها انكسارٌ في ميزان الإنسانيّة. هي اللحظة التي يتراجع فيها صوت العقل أمام صليل السلاح، ويغدو الموت مجرد خبر يمرّ في شريط الأخبار.
ففي الحرب يتبدّل تعريف الأشياء. يتحوّل البيت إلى هدف، والطريق إلى احتمال، والسماء إلى مصدر خوف. يفقد الإنسان بساطته الأولى، ويصبح مشدودًا إلى غريزة البقاء، كأنّ الحضارة التي شيّدها على مدى قرون يمكن أن تنهار في لحظة جنون عقائديّ أو نزوة أيديولوجيّة.
لكنّ الشرّ في الحرب لا يكمن فقط في فعل القتل، بل في التطبيع معه.
حين يصبح الدمار مشهدًا يوميًّا، تتآكل الأخلاقيّات، ويغدو الضمير أقلّ تفاعلًا وأكثر برودًا. تدخل المجتمعات مرحلة خطيرة تتكيّف خلالها مع السواد والدمار. تُبرَّر المآسي بلغة العزّة، وتُختزل الأرواح في أرقام، وتُستبدل الحقيقة بالدعاية. وهكذا، لا تدمّر الحرب الحجر وحده، بل تضرب المعنى في عمقه، وتُربك البوصلة بين الحقّ والقوّة، حتى يكاد الناس ينسون أنّ الأصل يكمن في حماية الحياة لا إدارتها على حافة الفناء.
غير أنّ الخسارة الأكبر تقع دائمًا على كاهل المواطن، هو الذي لا يملك قرار الحرب، ولا رفاهية الهروب من نتائجها. تتبدّل أولوياته من الحلم إلى النجاة، ومن التخطيط للمستقبل إلى تدبير يوم آخر. يعلو منسوب القلق في النفوس، ويعيش الناس بين خوف من القادم وحنين إلى ماضٍ بدا فجأة أكثر أمانًا ممّا ظنّوا. تُستنزف الطاقات، ويكبر جيل على الإحباط بدل أن يكبر على الأمل.
مع ذلك، في قلب هذا الظلام، تظلّ بارقة إنسانيّة تقاوم. في كلّ حرب، ثمّة من يمدّ يده لإغاثة جريح، ومن يفتح بيته لنازح، ومن يصرّ على تعليم طفل رغم القصف. هذه الأفعال الصغيرة هي ما يُبقي المعنى حيًّا وسط الركام. فالحرب، مهما اشتدّت، لا تستطيع أن تلغي جوهر الإنسان إذا تمسّك به. إنّها تختبره، تُعرّيه من أوهامه، وتضعه أمام سؤال أخلاقيّ حاسم. أيّ عالم نريد بعد انقضاء العاصفة؟ عالم الشطط أم عالم المواطنة؟ عالم الخطابات أم عالم الحياة؟
ليست الحرب قدرًا محتومًا، وإن بدت كذلك في لحظات الاحتدام. هي نتيجة قرارات بشريّة وصراعات مصالح. من هنا، فإنّ الخروج منها يبدأ بإرادة تعترف بأنّ الأمن الحقيقيّ يستهلّ بإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كوسيلة في لعبة الأمم، ولا وقودًا لمشاريع تتغذّى من الشرور.
الحرب تصدّع الجغرافيا، نعم، لكنّ أخطر ما تفعله أنّها تصدّع الإنسان من الداخل. فإذا أردنا أن ننجو، علينا أن نُرمّم هذا الداخل أوّلًا، أن نستعيد حسّ التهيّب أمام الموت فلا نعتاده، وأن نرفض البطش مهما تكرّر، وأن نؤمن بأنّ السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقيّة في وجه الجنون. عندها فقط يمكن للمنطقة، وللبنان، الخروج من دوّامة النار بوعي جديد يضع الإنسان في قلب المعادلة، لا على هامشها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى